مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أكتوبر ليس ذكرى.. إنه نبض في كل بيت مصري

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

هناك ذكريات نضعها في التقويم، وهناك ذكريات تسكن فينا. أكتوبر من النوع الثاني؛ ليس يومًا في كتاب التاريخ نحتفل به وننتهي، بل هو نبض نسمعه كل يوم في بيوتنا، في حديث أمهاتنا، وفي أعين آبائنا.

إن ما فعله أكتوبر لم يكن نصرًا عسكريًا فقط، بل كان علاجًا نفسيًا لشعب كامل، وعودة حقيقية للروح.

قبل أكتوبر.. كان الجرح في النفس

بعد نكسة عام سبعة وستين، لم يكن الجرح في الأرض وحدها، بل كان الجرح في النفس؛ كان المصري يمشي في الشارع وهو يشعر بالانكسار، واختفت عبارة “نحن نستطيع” من القلوب.

في علم النفس، يسمى هذا “الصدمة الجمعية”، حين يحزن شعب بأكمله في وقت واحد، ويشعر بالضعف وقلة الحيلة.

دخل هذا الحزن كل بيت مصري:

 الأب لم يعد يتحدث بحماس.

 الأم أصبحت تخاف على مستقبل أبنائها.

 والطفل كبر وهو يسمع كلمة “مستحيل” أكثر من أي كلمة أخرى.

كان الوطن كله يحتاج إلى دواء… وكان الدواء هو أكتوبر.

عبرنا الخوف قبل أن نعبر القناة

في السادس من أكتوبر، في الساعة الثانية ظهرًا، لم يعبر الجنود قناة السويس فقط؛ في الحقيقة، عبروا شيئًا أصعب بكثير… عبروا الخوف.

الخوف هو العدو الأكبر للإنسان. قبل أن يضع الجندي قدمه في الماء، كان عليه أن يقتل خوفه من المستحيل: خط بارليف الذي قالوا إنه لا يُقهر، والجيش الذي قالوا إنه لا يُهزم؛ كل هذه كانت جدرانًا في العقول قبل أن تكون على الأرض.

وعندما ارتفع صوت “الله أكبر”، لم يكن الجنود يهزمون عدوًا أمامهم فقط، بل كانوا يحررون أنفسهم من الخوف. ومن هنا بدأ الشفاء النفسي للمصري، ومن هنا عادت الثقة، ومن هنا تعلم الإنسان المصري أن القوة ليست في السلاح فقط، بل في القلب الذي لا يخاف.

لماذا نبكي عندما نسمع أغاني أكتوبر؟

لاحظوا معي، حتى اليوم، وبعد مرور عقود، عندما نسمع “بسم الله.. الله أكبر” في التلفاز، لماذا تدمع العيون؟ لماذا تقشعر الأبدان؟ لماذا يصمت البيت كله احترامًا؟

تفسيره النفسي بسيط وعميق: هذه ليست أغنية، هذه ذاكرة جسد.

الأجساد تتذكر اللحظة التي استعادت فيها كرامتها. الدموع التي تنزل ليست حزنًا، بل هي فخر مخزون في القلب منذ الطفولة.

كل واحد منا ورث هذا الشعور؛ فالطفل الذي لم يولد في عام ثلاثة وسبعين يشعر بنفس الرعشة؛ لأنه سمعها من أبيه، وأبوه سمعها من جده. هذه هي “الذاكرة الجمعية”، أي ذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل، مثل لون العينين، لا تموت… هي شعور بالانتماء، بأنك جزء من قصة كبيرة وبطولة حقيقية.

أكتوبر في كل بيت.. حتى الآن

ادخلوا أي بيت مصري بسيط اليوم، ستجدون أكتوبر هناك:

 تجدونه في كلمة الأم لابنها وهي تقول له: “كن رجلًا مثل أبطال أكتوبر”. هي لا تقصد الميدان فقط، هي تقصد: “كن قويًا ولا تخف، كن صادقًا وتحمل المسؤولية”.

 وتجدونه في الأب الذي يرفض أن يقول كلمة “مستحيل” لابنته؛ لأنه تربى على جملة “لا يوجد مستحيل بعد أكتوبر”.

 وتجدونه في كل مصري عندما يمر بضائقة ويقول “سنتجاوزها”؛ هذه الجملة تعلمها الشعب من القناة… تعلم أن أي قناة صعبة في الحياة يمكن أن يعبرها بالصبر والعمل.

هذا هو الأثر النفسي الحقيقي. أكتوبر علم المصري أنه يستطيع: قبل أكتوبر كان السؤال “هل نقدر؟” وبعد أكتوبر أصبح الجواب “نحن نقدر”. وهذا ما يسميه علم النفس “الكفاءة الذاتية”، أي إيمان الإنسان بقدرته على النجاح.

الدواء ضد اليأس

قد تمر على الإنسان لحظات يشعر فيها بالضعف أو اليأس أو التعب، وهذا أمر طبيعي. وهنا يأتي دور ذكرى أكتوبر كطبيب نفسي لكل القلوب، يذكرها بالقوة:

 عندما يشعر الإنسان أنه ضعيف، يجب أن يتذكر أن جده كان في مكان أضعف منه بكثير، ومع ذلك انتصر لأنه آمن بنفسه.

 وعندما يشعر أن المشكلة كبيرة، يجب أن يتذكر خط بارليف الذي كان أكبر مشكلة في العالم وقتها، وسقط بالماء بفكرة بسيطة وعبقرية.

يبقى النبض:

في النهاية، هناك انتصارات تُكتب في الكتب، وهناك انتصار كُتب في القلوب… أكتوبر من النوع الثاني.

هو لم يعد مجرد يوم في السادس من الشهر العاشر، بل أصبح طريقة تفكير. أصبح رمزًا يقول إن الإرادة حين تجتمع مع الإيمان، تصنع ما كان يظنه الناس معجزة.

إن أجمل ما تركه لنا أكتوبر ليس فقط الأرض التي عادت، بل الإنسان الذي عاد… عاد الإنسان المصري واثقًا من نفسه، مرفوع الرأس، يعرف أن يده قادرة، وأن صوته مسموع، وأن حلمه ممكن.

وعادت الحكاية لتسكن كل بيت؛ نسمعها في دعاء الأم، وفي نصيحة الأب، وفي ضحكة الطفل الذي يشعر بالأمان.

يبقى أكتوبر نبضًا نسمعه طوال العام، يقول لنا في كل صباح: أنتم أبناء العبور، والعابرون لا يتوقفون، وأنتم أحفاد المنتصرين.