الفصل الثالث
الكاتب: هاني الميهي
الشيء الذي لم أره
ما لم يحدث كما ظننت
لم أكن أعرف أن الإنسان يستطيع أن يقف أمام الحقيقة مباشرة، ثم يغادر المكان وهو مقتنع بأنه لم يفته شيء.
كنت أجلس في قاعة انتظار صغيرة داخل أحد المستشفيات، أراجع رسالة على هاتفي للمرة الخامسة. لم تكن الرسالة طويلة، لكنني كنت أبحث بين كلماتها عن إجابة لم يكتبها صاحبها، وأحاول أن أفهم لماذا بدا صوته في المكالمة الأخيرة مختلفًا. إلى جواري رجل يتصفح أوراقًا، وأمامنا طفلة تحرك قدميها في ضجر، بينما كانت موظفة الاستقبال تنادي الأسماء بملل مألوف.
فجأة، ارتفع صوت ارتطام، أعقبه بكاء طفل وصيحة امرأة. رفعت رأسي لحظة، ثم عدت إلى هاتفي بعدما ظننت أن الأمر لا يتجاوز سقوط شيء من يد أحدهم. لم أسأل، ولم ألتفت ثانية. كنت منشغلة بما أراه مشكلة حقيقية، ولم يخطر ببالي أن شيئًا آخر يستحق انتباهي.
بعد دقائق، نهض الرجل الذي كان يجلس إلى جواري، وسألني إن كنت قد رأيت ما حدث. أخبرني أن طفلًا صغيرًا تعثر عند الباب، وأن امرأة حاولت اللحاق به فاصطدمت بحامل معدني، فسقطت بعض الأدوات على الأرض. لم يصب الطفل بأذى، لكن المرأة جرحت يدها، وتجمع الناس حولها حتى حضرت الممرضة.
قلت له بثقة: «لم يحدث شيء خطير، سمعت الصوت فقط».
نظر إليّ باستغراب وقال: «لكنّك كنت تنظرين إلى الباب حين سقطت الأدوات».
لم أجد ما أقوله. حاولت استعادة المشهد في ذاكرتي، فلم أجد سوى صوت مفاجئ ورأس رفعته لثوانٍ، ثم شاشة هاتفي التي ابتلعت انتباهي من جديد. لم أتذكر المرأة، ولا الطفل، ولا الأدوات المتناثرة. والأغرب أنني كنت مستعدة للقسم بأنني لم أكن أنظر إلى شيء سوى هاتفي.
غادرت المستشفى وأنا أفكر في تلك اللحظة. لم تكن عيناي مغلقتين، ولم يكن المكان مظلمًا، ولم يكن الحدث بعيدًا عني. كنت موجودة، لكن وجودي لم يكن كافيًا لأرى.
تذكرت كم مرة استمعت إلى شخص وأنا أجهز ردي قبل أن ينتهي، وكم مرة دخلت مكانًا ولم ألاحظ وجهًا حزينًا أعرفه، وكم مرة انشغلت بتفصيل صغير حتى اختفى العالم من حوله. كنت أظن أن انتباهي يشبه نافذة مفتوحة، يدخل منها كل شيء، ثم اكتشفت أنه أقرب إلى مصباح ضيق؛ يضيء موضعًا واحدًا، ويترك ما حوله في الظل.
لم يكن الهاتف هو السبب الوحيد، ولم تكن الحكاية عن شاشة سرقت عينيّ. كان الأمر أعمق من ذلك؛ فقد كنت أبحث عن إجابة تؤلمني، حتى صار كل ما عداها هامشًا لا أراه. وربما يفعل العقل ذلك كل يوم، لا لأنه يريد خداعنا، بل لأنه لا يستطيع منح كل شيء الدرجة نفسها من الانتباه.
منذ ذلك اليوم، لم أعد أطمئن تمامًا إلى جملتي القديمة: «كنت سألاحظ لو حدث شيء مهم». فقد تحدث أشياء مهمة فعلًا، ونكون قريبين منها بما يكفي لنسمعها، لكننا لا نمنحها المساحة التي تحتاجها كي تصل إلينا.
رسالة الفصل
ليس كل ما يغيب عن إدراكنا مختبئًا؛ أحيانًا يكون واضحًا، لكن انتباهنا مشغول بما نعتقد أنه الأهم.
تمهيد الفصل القادم
وفي المرة التالية، لم أكن غافلة عمّا أمامي. كنت أراه بوضوح، لكن شخصًا وضع رقمًا واحدًا على الطاولة، فغيّر الطريقة التي رأيت بها كل الأرقام التالية.






المزيد
حين تفضحُ الأرواحُ ما تسترُه الوجوه بقلم : سمية عمر عكاشة
هل تنتظر الغد أم لا ترغب به ! بقلم : سها مراد
لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد