مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد

لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا

بقلم الكاتبة أماني سعيد

 

منذ أكثر من عام وشهر تقريباً، توقفت عن الكتابة لسبب ما فابتعدت. وكنتُ -حين يداهمني الشغف- أكتب فوراً، فطالما عوّدتُ نفسي على الكتابة لكي أتنفس مشاعري، سواء أكانت سعادة أم حزناً. أفكار شتى تراودني، لكنني ما زلتُ مشوشاً إلى أبْعَدِ حدّ. يبدأ الأمر صعباً، وبمرور الزمن يصبح عادياً؛ ذكرى تُحكَى فتُنسَى وتغيب عن البال.

لم أكتب خلال هذا العام إلا مرات معدودة لا تتجاوز أصابع اليدين، لذا وأنا أكتب الآن أشعر أن الأمر غريبٌ بعض الشيء؛ وأنا الذي كنتُ أكتب ليلاً ونهاراً، حتى أنني كنت أستيقظ أحياناً من نومي كي أكتب.

في الواقع، منذ نحو شهر ونصف تفرغتُ نوعاً ما ولم أعد مشغولاً كما كنت، فعدتُ إلى هوايتي الأولى—ولعلها هواية معظمنا بطبيعة الحال—عدتُ أقرأ، وأقرأ بنهمٍ دون توقف.

وكانت أول ما قرأتُ رواية لي بعنوان «رحلت روحي»؛ يبدو الاسم كئيباً نوعاً ما، لكن أعجبني شديداً ما كتبتُه حينها. كانت روحي طيبة لا تحمل من الدنيا سوى سلامة النية، وطيبة القلب، وصفاء الروح. لم يكن ثمة شيء يشغلني، ولا قيود تحكمني؛ كنتُ حُرَّ نفسي بطريقة جميلة، أفرح بالسعادة دون مواربة، ولا شيء يوقفني.

كلُّ مرحلةٍ في حياةِ الإنسانِ هي تجربةٌ جديدةٌ تؤثِّرُ وتتأثَّرُ بطريقةٍ ما، وتمنحه خبرةً في هذه الحياةِ الدُّنيا بشكلٍ شبهِ متكاملٍ، بعيداً عن قوقعتي المعزولةِ عن البشرِ، والتي كنتُ أُطلقُ عليها “كهفي”.

وبشكلٍ جوهريٍّ، كنتُ -وما زلتُ- لا أفهمُ خبثَ البشرِ إلا متأخِّراً جداً؛ ليس لأنني طيِّبٌ بالفطرة، بل لأنني كنتُ حَسَنَ النيةِ إلى حدٍّ يصعبُ تصديقُه. لستُ الشخصَ المثاليَّ، لكنني أنظرُ للأمورِ من منظورٍ مختلفٍ تماماً؛ ففي نهايةِ المطافِ نحن جميعاً بشرٌ من لحمٍ ودمٍ، ولا شيءَ يستحقُّ كلَّ هذا السوءِ. إن الجميعَ في نظري إخوةٌ لي، وما يُؤذيهم يُؤذيني.

ولكنني ما زلتُ لا أفهم: كيف لإنسانٍ من لحمٍ ودمٍ أن يحمل كل هذا السوء تجاه كائنٍ مثله؟! إنها لمن شدة الغفلة والجهالة—ولا أقول هذا شتماً، فليس هذا من شيمي ولا أخلاقي.

إن إدراكنا للأمور يختلف تماماً؛ فظنُّك أن نواياك السيئة تجاهي تقابلها نوايا مماثلة من جانبي هو وهمٌ محض. وبمعنى آخر: لا تقِسني بمكيالك الخبيث، فتظن أنني خبيثٌ مثلك!

فحتى لو ظننتَ أنك انتصرتَ أو كسبت، فليس كل مكسبٍ مكسباً، وليست كل خسارةٍ خسارة. وأنا على يقينٍ جازمٍ أن خسارتك الحقيقية آتيةٌ لا محالة، ولعلَّ ما يزيدُ المَشْهدَ وضوحاً… أنَّ أمرَكَ برُمَّتِهِ لن يعودَ يَعْنيني أَبَداً.