مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الدور الدفاعي الإقليمي لمصر تجاه الأمن العربي

د. محمد خليفة

مدرس مساعد بجامعة العاصمة — مصر

ملخص الدراسة

تناقش هذه المقالة الفرضية القائلة إن أمن المملكة العربية السعودية يمثل ركيزة لأمن مصر القومي، وإن انكشاف المملكة أمام التهديدات القادمة من اليمن والبحر الأحمر يفتح الباب أمام اختلال أوسع في ميزان القوى العربي تستفيد منه القوى التوسعية في الإقليم، وفي مقدمتها المشروع الإسرائيلي المعروف إعلاميًا بـ”إسرائيل الكبرى”.

وتستعرض المقالة الأدوات التي تستخدمها القاهرة فعليًا لدعم الرياض، وحدود هذا الدعم، وتختتم بعرض الآراء المخالفة حتى تبقى الصورة متوازنة.

ملاحظة منهجية:

المواجهة الدائرة هي بين السعودية وجماعة الحوثي (أنصار الله) داخل اليمن وعلى طرق الملاحة، وليست حربًا على “الدولة اليمنية” ككل؛ فاليمن الرسمي نفسه ضمن التحالف البحري الذي أعلنت عنه الرياض في يوليو 2026. والدقة في هذا التوصيف مهمة في أي بحث أكاديمي.

أولاً: الإطار النظري

تفيد ثلاثة مداخل نظرية في تفسير الموقف المصري:

1. نظرية توازن التهديد (ستيفن والت):

الدول لا تتحالف مع الأقوى بالضرورة، بل في مواجهة الأخطر عليها، ويقاس الخطر بالقرب الجغرافي والقدرات الهجومية والنوايا المدركة. والحوثي المسلح بالصواريخ والمسيّرات على مدخل البحر الأحمر الجنوبي يقع في صلب هذا التعريف بالنسبة للقاهرة والرياض معًا.

2. مركّب الأمن الإقليمي (باري بوزان وأولي ويفر):

الدول المتجاورة جغرافيًا يرتبط أمنها ببعضها لدرجة تجعل أمن كل منها غير قابل للفصل عن الآخر. والبحر الأحمر يجمع مصر والسعودية في مركّب أمني واحد، من باب المندب جنوبًا إلى قناة السويس وخليج العقبة شمالًا.

3. الأمن العربي المشترك (مايكل بارنيت):

تتحرك الدول العربية داخل إطار هويّاتي وخطابي مشترك يرفع كلفة التخلي عن “الشقيق”، ويمنح خطاب “أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري” وزنًا سياسيًا حقيقيًا وليس مجرد شعار.

ثانياً: الخلفية التاريخية.. درس اليمن (1962–1967)

تدخلت مصر عسكريًا في شمال اليمن عام 1962 دعمًا للجمهوريين، في مواجهة تحالف دعمته السعودية للإماميين، وبلغت قواتها هناك عشرات الآلاف وفق التقديرات المتداولة.

ويرى جيسي فيريس في كتابه “مقامرة ناصر” أن هذا التدخل استنزف الجيش المصري واقتصاده وأسهم في هشاشته قبل هزيمة 1967.

ومن هنا فإن الذاكرة الاستراتيجية المصرية تميل إلى الدعم غير المباشر وتجنّب الانغماس البري، وهذا ما يفسر شكل الدور الحالي: تعاون استخباري وبحري ودبلوماسي بدل إرسال قوات إلى الأراضي اليمنية.

ثالثاً: لماذا يعني أمن السعودية أمنًا لمصر؟

1. قناة السويس وباب المندب:

تتأثر إيرادات القناة مباشرة بأي تهديد للملاحة جنوب البحر الأحمر. وقد أكد خبراء مصريون في تحليلات نشرتها “الأهرام ويكلي” أن أمن اليمن وجنوب البحر الأحمر مرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري، وأن مصر تضررت اقتصاديًا من تراجع حركة القناة.

2. وحدة الساحل الشرقي والغربي للبحر الأحمر:

تمتد سواحل السعودية على البحر الأحمر لنحو 1811 كيلومترًا، ومصر شريك رئيس في الضفة المقابلة، وأي فراغ أمني على أحد الجانبين ينتقل أثره للآخر.

3. الثقل الاقتصادي والسياسي للمملكة:

السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم وركيزة الاستقرار المالي لعدد من الدول العربية، وتراجع قدرتها يضعف ما يسمى “الحزام العربي” الداعم لمصر اقتصاديًا وسياسيًا.

رابعاً: مظاهر الدور المصري الراهن

 التحالف البحري (يوليو 2026):

أعلنت الرياض تحالفًا بحريًا دفاعيًا لتأمين باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، ضم وفق بيانات وزارة الدفاع السعودية 14 دولة منها مصر والأردن وباكستان وتركيا وقطر والسودان والصومال وجيبوتي واليمن، وذلك بعد إعلان الحوثيين حظرًا بحريًا على المملكة وتبادل النار معها لأول مرة منذ سنوات.

 قمة القاهرة (15 سبتمبر 2026):

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن أمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأدانت الخارجية المصرية الهجمات على المملكة ووصفتها بالتصعيد الخطير، وأكدت أن أمن السعودية لا ينفصل عن الأمن القومي المصري.

 التعاون الاستخباري والبحري:

تحدثت تقارير عن تنسيق في الإنذار المبكر والمراقبة البحرية ومواجهة المسيّرات والصواريخ، بحسب ما نقلته “الأهرام ويكلي” عن خبراء.

 قوة بحرية مشتركة:

أفادت تقارير في 2025 بتوجه البلدين لتشكيل قوة بحرية مشتركة في البحر الأحمر دون الارتباط بترتيبات غربية، ويظل هذا المسار في طور التقارير والتحليل لا الإعلان الرسمي المفصل.

 الانسجام السياسي:

رصد مركز العرب في واشنطن تقاربًا مصريًا سعوديًا في ملفات اليمن والسودان والصومال والبحر الأحمر، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية السعودي للقاهرة في يناير 2026.

خامساً: البعد الإسرائيلي.. حجة الترابط الاستراتيجي

يستند أصحاب هذه الفرضية إلى أن الأمن العربي كلٌّ مترابط، وأن إضعاف أي ركيزة كبرى فيه يسهل على الأطراف التوسعية تحقيق أهدافها.

ويستشهدون بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أغسطس 2025 لقناة i24، حين أجاب بأنه يشعر بارتباط شديد برؤية “إسرائيل الكبرى”، وهي رؤية تتفاوت تفسيراتها لكنها تشمل في بعض الصيغ أراضي من الأردن ولبنان وسوريا ومصر والسعودية. وردّت على ذلك مصر والسعودية والأردن وقطر والجامعة العربية بإدانة شديدة، ثم أصدر وزراء خارجية 31 دولة عربية وإسلامية بيانًا مشتركًا وصف التصريحات بانتهاك صارخ للقانون الدولي.

وتقوم الحجة على ثلاث حلقات:

1. السعودية هي الثقل الذي يمنع تفكك المنظومة العربية الخليجية، وانشغالها بحرب استنزاف على حدودها وفي ممراتها البحرية يقلل قدرتها على الإسهام في الملفات الكبرى مثل غزة.

2. إضعاف الدول المركزية وإغراقها في صراعات الأطراف (اليمن والسودان والصومال) هو الشرط التاريخي لتمدد القوى الإقليمية في الفراغات.

3. مصر هي الدولة التالية في ترتيب الأولويات الجغرافية، فإذا انكشف الجناح الشرقي للبحر الأحمر صار جناحها الشمالي الشرقي وسيناء أكثر هشاشة.

ولذلك يرى أنصار هذا الطرح أن الدفاع عن المملكة هو دفاع متقدم عن مصر، وأن توقيت الدعم المصري عامل ردع بحد ذاته.

سادساً: الوجه الآخر.. قيود وانتقادات

يحتاج البحث الأكاديمي الرصين إلى عرض الجانب المقابل:

 حدود الربط بين “سقوط السعودية” و”إسرائيل الكبرى”:

عبارة “سقوط السعودية” مبالغة تحليلية؛ فالتهديد الحوثي، مهما بلغت خطورته، لا يُقدَّر عمومًا بأنه قادر على إسقاط الدولة السعودية. كما أن “إسرائيل الكبرى” توصيف أيديولوجي وليس سياسة معلنة لحكومة إسرائيل، وإن كان تصريح نتنياهو وسياسات الاستيطان وتصريحات وزراء متشددين تغذي المخاوف منه. ويرى باحثون أن مصادر التهديد الإسرائيلي الفعلية أقرب إلى الاستيطان والضم في الضفة الغربية والتوسع الأمني في الجوار منها إلى مشروع خرائطي شامل.

 كلفة الانخراط:

رفضت مصر، بحسب الخبراء، دعوات للمشاركة المباشرة في ضرب مواقع الحوثيين رغم الخسائر التي لحقت بقناة السويس، وهو خيار يعكس حسابات الكلفة وذاكرة 1962.

 تباين الأولويات:

لا تزال مصر تحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة مع الإمارات، وتقدّر بعض التحليلات أن الانحياز للرياض في الخلافات الخليجية-الخليجية يحمل مخاطرة. كما رأت قراءة صينية حديثة أن غياب مصر عن إطار الدفاع المشترك الجديد بين السعودية وباكستان وتركيا يحدّ من قدرته على إدارة أمن البحر الأحمر، ما يعني أن شكل الشراكة لم يستقر بعد.

 الحل السياسي:

تتفق أغلب التحليلات على أن التسوية الدبلوماسية تظل شرطًا لاستقرار دائم في اليمن، وأن الدعم العسكري وحده لا يحسم الصراع.

خاتمة البحث

يتضح أن الدور الدفاعي المصري تجاه السعودية يقوم على منطق المصلحة المتبادلة قبل منطق العاطفة: ممرات ملاحة مشتركة، وجغرافيا متصلة، وتهديد مشترك من أطراف مسلحة غير نظامية. وتؤدي القاهرة هذا الدور اليوم بأدوات غير مباشرة تحفظ لها خياراتها وتجنبها تكرار تجربة اليمن في الستينيات.

أما الربط بين أمن المملكة ومشروع “إسرائيل الكبرى” فيصح بوصفه إنذارًا استراتيجيًا بأن أي انكشاف للمنظومة العربية يوسّع هامش المناورة للقوى التوسعية، لكنه يحتاج عند الاستخدام الأكاديمي إلى صياغة تحليلية حذرة لا تقطع بحتمية السقوط.