حين تفضحُ الأرواحُ ما تسترُه الوجوه
بقلم : سمية عمر عكاشة
الجزائر
كفانا من زخرفة الإحساس
ومن هذا التأنّق المفرط في إظهار الودّ
فإنّ للقلوب فراسةً لا تخدعها محاسن العبارة
وللأرواح حاسّةً خفيّةً تدرك بها ما تعجز العيون عن رؤيته
وما تتوارى خلفه الوجوه حين تُحسن التمثيل
لقد طالما خدعتنا حلاوة القول وأغرَتنا بشاشة الوجوه
فحسبنا أنّ لين الكلام دليلُ لين الطبع
وأنّ من أحسن مخاطبة القلب لا بدّ أن يكون أهلاً لمودّته
ثم تكشف لنا الأيام
على مهلٍ لا يخلو من قسوة
أنّ بين فصاحة اللسان وصدق الجَنان بونًا بعيدًا
وأنّ المرء قد يُحسن ترتيب كلماته
وهو أعجز الناس عن ترتيب أفعاله على مقتضى الوفاء
ونحن معاشرَ الذين اتخذوا من الحرف نافذةً على خبايا النفوس لا تخدعنا زينةُ اللفظ إذا تناقضت مع سيرة صاحبها ولا تستوقفنا براعةُ الادّعاء إذا كذّبها أول امتحان فقد خبرنا من طبائع الناس ما علّمنا أنّ النوايا لا تُفصح عن نفسها دائمًا ولكنّها تترك في ثنايا المواقف آثارًا لا يمحوها اعتذار ولا يسترها بيان
فلا تُعلّقوا ابتسامة الموناليزا على جدارٍ آيلٍ للسقوط ولا تُلبسوا الجفاءَ ثوبَ المودّة ثم تنتظروا من القلوب أن تُصدّق ما تكذّبه الشواهد إنّ السلوك هو الكتاب الذي لا يُجيد صاحبه تنقيح صفحاته كلّما افتُضح أمره وإنّ المواقف مهما صغرت أصدقُ أنباءً من الخطب الطوال
وليس أشدّ ما يؤلم المرءَ أن يُخذل ولكن أن يأتيه الخذلان في هيئة مَن ائتمن وأن يُطعَن من اليد التي ظنّها أحرصَ الأيدي على سلامته هنالك لا ينكسر القلب وحده بل تنكسر معه ثقةٌ كانت تُضفي على العالم شيئًا من الأمان ويغدو الحذرُ ضرورةً بعد أن كان حسن الظنّ طبعًا كريمًا
ومع ذلك لسنا ممّن يُخاصمون الدنيا لأنّ بعض أهلها أساؤوا العهد ولا ممّن يُغلقون أبواب أرواحهم في وجه الناس جميعًا غير أنّنا تعلّمنا بعد طول التغاضي أنّ للطيبة حدودًا تحفظ كرامتها وأنّ الصفح فضيلةٌ ما لم يُتّخذ سبيلًا إلى تكرار الأذى وأنّ صيانة النفس أولى من استجداء الودّ ممّن لا يعرف للودّ قدرًا
فاحتفظوا بكلماتكم لمن يُحسن تلقّيها ولا تُكثروا من مدّ الجسور إلى قلوبٍ لم تطلب العبور ولا تُرهقوا أرواحكم في استنقاذ ما لا يريد النجاة فما كلُّ غيابٍ خسارة ولا كلُّ فراقٍ ندامة فثمّة أبوابٌ إذا أُوصدت عاد إلى النفس بعض سكونها وثمّة وجوهٌ لا ينكشف زيفها إلا حين نكفّ عن اختلاق الأعذار لها
أمّا نحن فقد اكتفينا من ضجيج المظاهر وآثرنا صدقًا قليل الزينة على مودةٍ وافرة التكلّف صرنا نزن الرجال بمواقفهم لا بمقالاتهم ونقرأ القلوب في ساعات الشدّة لا في مجالس الأنس ونعلم أنّ أصدق المشاعر ما استغنى عن الشهادة لنفسه وأنّ النبل لا يحتاج إلى لافتةٍ تُعلّقه على أبواب الناس
فابتعدوا إن لم تجدوا في القرب صدقًا وصونوا ما بقي من الودّ إن عجزتم عن الوفاء فإنّ بعض المسافات أكرم من ألف لقاء وبعض الصمت أبلغ من عتابٍ لا يسمعه إلا صاحبه
وليعلم مَن يعنيه القول أنّنا لا نطلب كمالًا في البشر ولا نزعم لأنفسنا عصمةً من الخطأ إنّما نطلب وجهًا لا يتبدّل بتبدّل المصالح ولسانًا لا يَعِد بما لا تنوي اليدُ الوفاء به وقلبًا إذا منح المودّة لم يجعلها قناعًا لغاية
فقد سقطت من أعيننا أقنعةٌ كثيرة ولم نعد نأسف إلا على ما أنفقناه من أعمارنا في تصديقها
وما عاد يعنينا أن تبدو الوجوه جميلةً في أعين العابرين حسبُنا أن تستقيم السرائر وأن يوافق الفعلُ القول وأن نمضي من هذه الدنيا بقلوبٍ لم تتعلّم الخداع وإن تعلّمت كيف تتّقي أهله
فإنّ الوجوه قد تُحسن التخفّي والألسنة قد تُتقن البيان، غير أنّ الأيام إذا قالت كلمتها، لم تُبقِ للزيف لسانًا يتكلّم ولا للقناع وجهًا يستتر وراءه






المزيد
هل تنتظر الغد أم لا ترغب به ! بقلم : سها مراد
لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد
الذين يتعبون في صمت بقلم هاني الميهي