مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

“ما لم نتفق عليه” الحلقة الأولى: الوظيفة التي لم يفرح بها بقلم الكاتب: هاني الميهى 

“ما لم نتفق عليه”

الحلقة الأولى: الوظيفة التي لم يفرح بها

بقلم الكاتب: هاني الميهى 

 

لم يكن في صمت كريم ما يكفي لإدانته، لكنه كان كافيًا لأن يبدد شيئًا من فرحة سلمى.

 

حين أخبرته بأنها حصلت على فرصة عمل جديدة، ابتسم وهنأها، ثم سألها عن الراتب. وحين عرف أنه يزيد على راتبها الحالي بنحو الثلث، أبدى رضاه، قبل أن يعود إلى الحديث عن أثاث الشقة التي يستعدان للانتقال إليها بعد الزواج.

 

كانت تنتظر منه سؤالًا آخر؛ سؤالًا يتجاوز الأرقام، ويلتفت إلى الطريق الذي قطعته حتى وصلت إلى هذه اللحظة. أرادت أن تشعر بأنه يرى فيها الإنسانة التي تتقدم، لا مجرد شريكة تستعد لتأسيس بيت.

 

لكن كريم كان منشغلًا بتكاليف الحياة. يقارن الأسعار، ويحسب ما تبقى من المدخرات، ويتحدث عن المصروفات التي لا تنتهي. لم يكن رجلًا أنانيًا، بل اعتاد أن يقيس الأمان بما يستطيع حسابه، وأن يواجه المستقبل بإغلاق أبواب المفاجآت قبل أن تفتح.

 

قالت سلمى بعد تردد:

 

— هناك تفصيل لم أخبرك به بعد. قد أحتاج إلى البقاء في العمل ساعتين إضافيتين في بعض الأيام، وربما أحضر اجتماعات خارج مواعيدي المعتادة.

 

رفع عينيه إليها.

 

— ساعتان إضافيتان؟ وكيف سنرتب أمور البيت إذا تكرر ذلك؟

 

لم تفاجئها أسئلته بقدر ما آلمها ترتيبها. كان أول ما رآه في نجاحها هو ما قد يربكه في حياتهما المقبلة.

 

قالت بهدوء:

 

— أليس من الممكن أن نرتب حياتنا بحيث تتسع لهذه الفرصة، بدلًا من أن نعاملها باعتبارها مشكلة؟

 

أجابها:

 

— أنا لا أعارض عملك. كل ما أريده أن تكون حياتنا مستقرة، وألا نكتشف بعد الزواج أننا لم نحسب حساب مسؤولياتنا.

 

كان كلامه معقولًا، وربما كان في جانب منه محقًا. لكنها شعرت بأن الاستقرار الذي يتحدث عنه يحمل صورة جاهزة لحياة لم يشاركا في رسمها بالتساوي.

 

سألته:

 

— وكيف تتصور حياتي بعد الزواج؟

 

بدا السؤال أكبر من الموقف الذي خرج منه.

 

قال بعد لحظة:

 

— ستتغير حياة كلينا، وهذا طبيعي.

 

— أعلم أنها ستتغير. لكن هل فكرت يومًا فيما ينبغي أن يتغير في حياتك أنت أيضًا، لا في حياتي وحدها؟

 

لم يجب فورًا. وضع هاتفه جانبًا، ونظر إليها كما لو أنه يسمع سؤالًا جديدًا عن أمر ظن أنه محسوم منذ البداية.

 

لم تكن سلمى تطلب منه أن يتخلى عن مسؤولياته، ولم يكن هو يطلب منها صراحةً أن تتخلى عن طموحها. كان كل منهما يتحدث عن بيت واحد، لكنه يستند إلى صورة مختلفة لذلك البيت.

 

انتهى اللقاء من دون خصام. أوصلها كريم إلى منزلها، ثم أرسل إليها رسالة يقول فيها إنه سعيد من أجلها، وإنه يتمنى أن يفهما بعضهما على نحو أفضل.

 

ابتسمت حين قرأتها. لم تكن تريد أن تسيء الظن برجل أحبته لأسباب كثيرة، ولم يكن من العدل أن تحاكمه على مخاوف لم يتعلم بعد كيف يعبّر عنها.

 

أما كريم، فقد شعر بأنه نجح في احتواء خلاف صغير قبل أن يكبر. لم يخطر بباله أن ما يراه تفصيلًا قابلًا للتأجيل قد يكون، بالنسبة إليها، سؤالًا عن شكل حياتها كلها.

 

لم تكن المشكلة في الوظيفة، ولا في الساعتين الإضافيتين، ولا حتى في ترتيب شؤون المنزل.

 

كانت المشكلة أن كليهما دخل العلاقة حاملًا تصورًا عن المستقبل، وظن أن الحب سيجعل التصورين متطابقين.

 

ولم يسأل أحدهما الآخر بعد: ماذا لو كنا نحب بعضنا حقًا، لكننا لا نريد الحياة نفسها؟