مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يوم مع متوفى

Img 20240416 Wa0069

كتبت: سارة صلاح

أتأمل وجهه النائم ويديه المتلبسة بإبر المحاليل، ساقيه الملفوفتين بشكل طفيف، مازال الشاش يلف رقبته، كانت شفتاي تهتز وساقتني يدي للمس الشاش الملفوف على رقبته، كنت متألمة كوني أشعر أن هذه الإبرة مغروزة بجلد رقبته، متيقنة أنها كانت تؤلمه، ما زال أثر خط الدموع – الجاف- يسيل من عينيه. أخبر نفسي أنه حي، لا أعلم لم هربت من حقيقة أنه مات؟ لا أحتمل شعور الحقيقة؛ أخبرت نفسي أنه حي وجعلتها تصدق ذلك.

 

كانت الأصوات عاليةً جدًا من حولي، الرجال والنساء يحتشدن، صرخات عالية، أصوات متداخلة، حروف كثيرة غير مجمعة إلا أن أذني ميزت جيدًا قول أنه مات، كان رجلًا حنونًا لطيفًا ما إن يجلس في مكان حتى يملئه بعبق ضحكاته العالية. كنت أهمس بآيات القرآن داخل أذنيه، أدعوا له، قرأت كما لم أقرأ قبلًا، كان خط الدموع مختلطًا بآياتي وصلواتي له.

 

كان الصندوق الخشبي يحمل روحه، لم يكن يحمل روحه فقط بل كان يحمل روحي معه. الأب والعم والحفيد وابن العم يحملون جسمانه، كان الصندوق وسط حشد كبير، كانت الله أكبر، الله أكبر تجري على جميع الألسنة حتى ظننت أن السماء تكبر معنا، تساقطت الأمطار بغزارة مودعةً من عيناي، لساني خرج من مكمنه ملتهبًا ملتاعًا مع شعور الفزع قائلًا: “مع السلامة يا غالي، مع السلامة يا حبيبي، هتوحشني يا جدي ، مين معايا يا غالي، صبرني يارب، يارب من لي سواك” أخذوه حتى وصلوا الرمال التي حفروها بشكل مستطيل عميق، تعال َ صوت الدعاء له، ومن ثم وضعوا روحه الطاهرة بداخل الحفرة، يضعون الرمل على جسمانه، مع كل كومة رمل كان قلبي يتجثم عليه كومة مثلها، دموعي تتساقط ساخنة مثل حبات رصاص مغلية، كان كل شيء ملتهبًا، شعرت بذروة الموت تسري داخل عروقي، لم تعد ساقاي تحملني، شعرت أن الدنيا تميد أسفل قدماي، أنام في بئر عميق من القهر على فقدان جدي. استيقظت من نومي وكل عضو في جسدي ينتفض، كانت أول عينين تنظر إلي هي عيناي جدي، لأرفع يدي الضعيفة متلمسة خديه لأتأكد من كونه حي، أن التراب لم يأخذه مني، أن هذه الأصوات المختلطة التي تخبرني أنه مات غير حقيقية، فهرعت إلى أحضانه أقبلُ وجهه ورأسه، أشمُ كل شيء فيه لأتأكد من كونه معي، كان بكائي عاليًا جدًا، بكاء من قلبٍ يشعر أن هناك فرصة لأن يحيا مع جده، أن يبره ويرعاه، أن يجلس أكثر، ألا تأخذه الدنيا بانشغالاتها بعيدًا عنه إلا أن أمي أخبرتني أنه مات من يومين وأنني كنت في غيبوبة لم أستيقظ منها سوى الآن.

 

قصة حقيقة لجدي إلا أن فيها بعض من الحبكة والخيال.