مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يوم العمّال في غزة… يوم للحداد لا للاحتفال

Img 20250501 Wa0086

كتب: بلال ميسرة أبو سلطان 

 

 

بينما يحتفل العالم بعيد العمّال في الأول من أيار، يقف الفلسطينيون في قطاع غزة على جراحهم، يستحضرون وجوه أولئك الذين لم يكونوا يبحثون عن رفاهية، بل عن إنقاذ الأرواح وسط الركام.

 

في واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ المعاصر، أعلنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن أكثر من 300 عامل إغاثة قد استُشهدوا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ بل هو شهادة على تضحية نادرة تُسجَّل في ضمير الإنسانية.

 

هؤلاء لم يحملوا السلاح، بل حملوا الإسعافات والأغذية والبطانيات، وتقدّموا نحو المناطق المنكوبة، بينما تراجع العالم. كان بإمكانهم أن يختاروا السلامة، لكنهم اختاروا أن يكونوا هناك، حيث الحياة تموت كل لحظة.

 

من بين من ارتقوا، عشرات من موظفي الأونروا والهلال الأحمر وفرق الدفاع المدني المحلية، وآخرين من متطوعين شباب خرجوا من منازلهم في قلب الجحيم، لا لشيء سوى أداء واجبهم الأخلاقي والإنساني. استُهدفوا في سيارات الإسعاف، في مراكز الإيواء، في مقرات العمل، وأحيانًا وهم يحملون الأطفال من تحت الأنقاض.

 

تخترق هذه الحرب قواعد القانون الدولي، وتعيد صياغة تعريف “الخطر المهني”. ففي غزة، أصبح العامل الإنساني هدفًا مباشرًا، رغم أن القانون الدولي الإنساني يضمن له الحماية. ولكن يبدو أن تلك القوانين لا تملك سُلطة على الطائرات الحربية.

 

الناطقة باسم الأونروا وصفت ما يحدث بأنه “غير مسبوق”، مؤكدة أن عدد الضحايا من طواقم الإغاثة في غزة هو الأعلى في تاريخ الأمم المتحدة منذ تأسيسها.

 

في هذا اليوم العالمي الذي يُحتفى فيه بالطبقة العاملة، لا تملك غزة ترف الاحتفال. لكنها ترفع راية مختلفة: راية الوفاء لأولئك الذين قدّموا أعمارهم لخدمة الجياع والمشرّدين، ورفضوا ترك الناس وحدهم وسط الحصار والقصف.

 

“نحن لا نريد كلمات رثاء، نريد فقط أن لا نُستهدف حين نذهب لإنقاذ غيرنا. نريد أن نبقى أحياءً كي نُبقي غيرنا على قيد الحياة”، يقول أحد الناجين من طواقم الإغاثة.

 

يوم العمّال في غزة ليس يومًا للزهور والخُطب، بل يوم للدموع والذكريات. هو مناسبة لتذكّر أن الكرامة لا تُقاس بالراتب، بل بالفعل. وأن بعض الأعمال تُخلَّد لا لأنها عظيمة فحسب، بل لأن أصحابها رحلوا وهم يؤدونها. أرواحهم باقية في تفاصيل الحياة التي أعادوا نبضها مرارًا… حتى الرمق الأخير