السماء السابعة
الكاتب هانى الميهى
الفصل العاشر
من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق
لم يكن يخاف الفرح، لكنه لم يعد يثق فيه. كلما شعر أن الحياة بدأت تبتسم له، تسلل إلى داخله سؤال صغير: إلى متى؟ لم يكن السؤال يفسد عليه اللحظة، لكنه كان يقف فى طرفها، يراقبها، كأنه ينتظر أن تنتهى قبل أن تبدأ.
كان يعرف طعم الأيام التى يظن فيها أن كل شىء عاد إلى مكانه. يستيقظ بخفة، ويتحدث بحماس، ويرتب أحلامه كما لو أنها ستتحقق قريبًا. وفى تلك الساعات، كان يبدو للآخرين إنسانًا مختلفًا، أكثر إشراقًا، وأكثر قربًا من الحياة. لكن داخله لم يكن يستسلم لهذا الضوء كاملًا، فقد تعلم من تجاربه أن الأشياء الجميلة قد ترحل دون أن تستأذن.
لم يكن السبب تشاؤمًا، بل ذاكرة مثقلة بما حدث من قبل. فالإنسان لا يخاف النار بعد أن يسمع عنها، بل بعد أن تترك أثرها فى يده. وكذلك القلب، حين يسقط مرات كثيرة، يتعلم أن ينظر إلى الارتفاع بحذر، لا لأنه يكرهه، بل لأنه يعرف ثمن السقوط.
ولهذا كان الفرح عنده يحمل وجهين. وجهًا يراه الناس، ووجهًا آخر لا يراه إلا هو. كانوا يرون ابتسامته، بينما كان هو يسمع فى داخله صوتًا خافتًا يقول: لا تتعلق كثيرًا… فقد لا يدوم هذا أيضًا.
كم هو مرهق أن يعيش الإنسان وهو يراقب سعادته بدل أن يعيشها. أن يحسب خطواته فى لحظات الطمأنينة، وأن يخشى أن يفتح قلبه بالكامل، لأنه لا يعرف متى سيُطلب منه أن يغلقه من جديد.
ومع مرور الوقت، لم يعد يخسر الفرح فقط، بل خسر القدرة على الاطمئنان إليه. أصبح يختبر كل نعمة كأنها مؤقتة، وكل لقاء كأنه الوداع الأخير، وكل بداية كأنها تحمل نهايتها فى داخلها. لم تكن الحياة تبخل عليه باللحظات الجميلة، لكنه هو الذى لم يعد يعرف كيف يترك نفسه لها.
وربما كانت هذه هى الهاوية الحقيقية. ليست تلك التى يسقط فيها الإنسان من مكان مرتفع، بل التى يسقط فيها من داخله، عندما يفقد ثقته فى استقرار الأشياء. عندها يصبح الارتفاع نفسه عبئًا، لأن كل خطوة إلى الأعلى تحمل معها خوفًا أكبر من المسافة إلى الأسفل.
ومع ذلك، ظل يرفع رأسه إلى السماء. لا لأنه كان واثقًا أنها لن تخذله، بل لأنه أدرك أن الخوف من السقوط قد يحرم الإنسان من متعة التحليق. وأن القلب الذى يغلق أبوابه خوفًا من الألم، يغلقها أيضًا فى وجه الفرح.
لم تكن السماء السابعة بعيدة، ولم تكن الهاوية قريبة كما ظن. كان كلتاهما تسكنان داخله، والطريق بينهما لم يكن يقاس بالأمتار، بل بقدرته على أن يصدق أن الحياة، رغم كل ما فعلته به، ما زالت تستحق أن تُعاش.
رسالة الفصل
ليس أثقل ما يتركه السقوط فى الإنسان جراحه، بل الشك الذى يزرعه فى كل لحظة فرح تليها.
تمهيد الفصل القادم
لكن هناك مكانًا لا يعود فيه الإنسان يعرف أين يقف، ولا كيف وصل، ولا كيف يخرج.
الفصل الحادى عشر: مثلث برمودا.






المزيد
الساعة الرملية د.عبير عبد المجيد الخبيري
حين يصبح الرحيل راحةبقلم ابن الصعيد الهواري
خلود الأثر بقلم بثينة الصادق أحمد (عاصي)