كتبت دعاء ناصر:
أتابع بشغف، الأسبوعين الماضيين، ورق التاروت والأبراج. أجدها وسيلة سريعة ويائسة لتقليص القلق الرابض في أعماق معدتي.
أفتش في الأوراق عن أي شيء، ولو كذبًا، أن كل هذا الألم سينتهي قريبًا، وأن هذه الدائرة المنغلقة على نفسها ستنفتح، حتى أجدني أهرول دون وجهة محددة. ربما ينقذني هذا الركض المتواصل، حينها فقط سأكف عن التنقيب في ذاكرتي عن مفتاح ضائع يحرر كل هذه الأغلال التي تقيدني.
أذكر الساعات التي أمضيتها مع زوجي في البحر، في محاولة منه أن أستمتع بالمياه، محاولًا كسر الخوف.
قدماي في مأمن طالما تلمسان الرمال. أخاف أن يسحبني البحر وأنا لا أجيد السباحة. يرد زوجي: لا أمواج عالية هنا، ثم إننا لا نزال على الشاطئ. أرد عليه أنني لا أود أن أتعلم العوم في البحر. يضحك قائلًا: لا أريدك أن تتعلمي العوم، فقط أرخي عضلات جسدك المشدودة واتركي نفسك حرة للماء، ستشعرين براحة وهدوء.
أحاول بقلق، ويداي تتشبثان بكتفيه. يسحب نفسه إلى الداخل أكثر. أخبره أنني خائفة، وأنني أريد العودة. يحذرني أن أرخي جسدي، وإلا سنغرق سويًا. ولا أعرف إن كان هذا التهديد حقيقيًا أم فقط لأرخي عضلاتي، لكنني أستجيب ببطء خوفًا من الغرق. يقطع عليّ الخوف قائلًا: فقط تنفسي واملئي رئتيك بالهواء. أستجيب له، لكنني أشعر بالقلق، وأخبره أن هذا يكفي، أريد العودة إلى الشاطئ. أجدني، في لمح البصر، قرب الشاطئ. أتعجب: كيف فعلت هذا بالله؟ يضحك وهو يضرب الماء بذراعيه يمينًا ويسارًا، قائلًا: هكذا فقط، عومي عومة كلابية.
أقف في البحر، والماء يغطي صدري، وقدماي كخرسانة مثبتة في رمال البحر. أنظر لزوجي وهو يطفو بجسده على سطح الماء، نائمًا مسترخيًا. هذا الاسترخاء الذي لا أعرف كيف السبيل للحصول عليه، وأنا طوال الوقت في حالة ترقب وتأهب لشيء ما، وكأنني في أي لحظة سينقض عليّ وحش ما أو حيوان مفترس.
أخبرت طبيبي في المرة السابقة أنني أشعر بدوار في رأسي من الخلف، يعقبه ألم في العنق ممتد إلى الأكتاف والذراعين، وأنني طوال الوقت أشعر بثقل رهيب في أكتافي، وكأنني أحمل أطنانًا من الأحجار الثقيلة.
كنت أخشى أن يخبرني بشيء خطير، لكن جاء رده مفاجئًا لي، أن القلق والتوتر سبب هذا كله، ويجب أن أتجنب أي ضغوط، ولكن ما أعرفه أنا أن قلقي يتمركز طوال الوقت في معدتي، كجنين يتحرك ويركل، ويهدأ عندما أطبطب عليه بكفي، فيهدأ.
أتخيل كيف ستكون حياتي لو رحل القلق عن جسدي؟ ما الذي سيتغير؟ هل سأنام مثلًا عدد ساعات طويلة متواصلة بعمق؟ وهذا شيء أفتقده منذ سنوات طويلة للغاية وأتمناه.
ربما سأكتب بشكل أفضل، دون عناء التفكير فيما يجب أن أكتبه، وما لا يجب أن أبوح به، حتى لا أفشي أسراري لمن يعرفونني. أعتقد حينها أنني لن أعيرهم اهتمامًا كبيرًا.
أو أنني حينها سأتوقف عن أخذ الحياة على محمل الجد.
هل سأتوقف عن التدقيق في التفاصيل، واعتبار الناس مجانين لا يجب الالتفات إلى كل ما يفعلونه أو يرونه؟
حينها من الممكن أن ألقي في سلة المهملات أدوات التجميل خاصتي، وسأترك الاحمرار الذي يغطي وجهي من شمس البحر، دون خجل من تغير لون بشرتي.
وسأمشي في الطرقات التي تجلس فيها النسوة على الأرصفة أمام بيوتهن، يفصصن المارة من رؤوسهم إلى أخمص قدميهم. حينها سألقي عليهن التحية بابتسامة عريضة، وبجسد حر، وربما سأجلس معهن ونتسامر كأصدقاء.
حتى المقاهي التي كنت أتجنب المرور من أمامها خجلًا وقلقًا من الأعين التي تخترق جسدي، مثلي مثل جميع النسوة، حينها بإمكاني أن أخرق الأعين التي لا تعجبني، أو أصب الشاي الساخن فوق رأس من يتوقح معي، دون قلق من آراء الناس في ردة فعلي.
سأتحرر من أي شيء، حتى إنني سأمسك المقص وأجز مشد البطن الذي أكرهه للغاية، لأنه يضيقني في الجلوس، وكثيرًا ما أفضل المكوث في البيت على الخروج إلى الشارع حتى لا أرتديه، لكنني مجبرة. أتخيل ردة فعل جارتي، وإشاعة حملي التي ستلاحقني لو تخليت عن ارتدائه يومًا.
أجاهد في رفع المشد إلى أعلى، وجسدي يقطر عرقًا، وأنفاسي تلهث. يقمط بطني المدلدلة من الولادة، ويشدها، ويشعرني أن هذا الأمر تحت السيطرة. حينها أغبط كل النساء اللواتي يخرجن بدون حجاب، يتركن شعورهن تتنفس في الهواء، وأجسادهن لا تحمل كل هذه القطع من الملابس، لكنني سريعًا أحاول طرد الفكرة، وتوبيخها، ونعتها بالشيطانية. ربما العالم سيصبح أقل قسوة لو تخلص من كل الذين يجعلون حياتنا معرقلة ومضغوطة، حتى إن تصرفاتنا وأجسادنا دائمًا تحت تلسكوب نواقصهم. حينها لدي يقين تام أننا سنكون أكثر تسامحًا وحبًا لأنفسنا.
ومع معرفتي أن هذا مستحيل أن يحدث، فجل ما أتمناه هو أن أعيش الحياة بالشكل الآمن الذي يسمح لي بالتحرر من دائرة القلق العالقة بها، دون أدوية أو نصائح من أحد. لذلك أنا طوال الوقت في حالة صراع مع القلق، صعود وهبوط، يمين ويسار. مرة أنتشي وأذوب في كلمات أغاني فضل شاكر، وأخرى منكمشة على نفسي في الظلام أبكي بحرقة. ربما في الصباح تبرد قهوتي، غائبة عن الواقع، أصارع القلق، وأتذكرها بعد أن تهدأ النوبة، فأتقبل احتساءها باردة كما تقبلت هزيمتي أمام خصمي.
وأجدني في حالة جيدة وأنا أتابع مسلسلي في الرابعة عصرًا.
وهكذا هي الأيام، أحاول فقط تقبل متغيراتها، والتعايش معها ومع القلق، والتصالح معه، كأنه جزء من حياتي، ومن جسدي، ومن عالمي الكبير.






المزيد
خلف الدخان
في نهاية الممر
مقولات يومية مع عبدالرحمن