يقترب انتهاء انتظاري بقلم صافيناز عمر ” معشوقة البدر”
سندي وحبيبي وبدري،
أجلس الليلة أكتب لك وقلبي يرتجف من فيض الشوق، وأصابعي تسبقني لتسطر ما تعجز عنه الروح من مشاعر. أكتب لك وأنا أستعيد كل لحظة عبرت بنا، كل طريق مشيناه سويًّا، كل كلمة من كلماتك التي كانت لي وطنًا وسكنًا وأمانًا. وأكتب اليوم وقد صار بيني وبين الحلم خمسون يومًا فقط، خمسون يومًا كفيلة بأن تعيدني إلى طفلة تترقب العيد، وإلى امرأة تستعد لتستقبل قدرها الأجمل، وإلى عاشقة تنتظر أن يكتمل نصفها الذي وجدته فيك.
حبيبي… ما أطول الطريق الذي مشيناه حتى وصلنا إلى هذه اللحظة، وما أشد العواصف التي مرت بنا، لكنني أقسم أنني كنت في كل مرة أستند إليك كما يستند الجبل على صلابته، وأجدك ثابتًا كالأرض، صبورًا كالبحر، حنونًا كالأم، وصادقًا كالنجم. أنتَ لم تكن مجرد رجل في حياتي، بل كنتَ الطريق والغاية والسكينة. كنتَ بدري الذي يشرق على أيامي بعد ليلٍ طويل، ويمنحني اليقين أن الله إذا أحب عبدًا أهداه سندًا يضيء عتمته.
خمسة عشر شهرًا وربما أكثر ونحن نحارب من أجل هذا اليوم، نحارب العالم كله، الظروف، العادات، اعتراضات من هنا وهناك، حتى أنفسنا حاربناها أحيانًا حين ضعُفنا أو تخللنا اليأس. لكننا في النهاية انتصرنا، انتصرنا لأن الحب الذي بيننا لم يكن حبًا عابرًا، بل كان عهدًا مكتوبًا في السماء قبل أن نُولد. كان شيئًا يخصنا نحن، لم يفهمه أحد كما فهمناه، ولم يقدّره أحد كما قدّرناه.
سندي، خمسون يومًا ليست كثيرة، لكنها عندي أثقل من ألف عام. خمسون يومًا وأنا أعد الساعات والدقائق كأنني أعدّ أنفاسي الأخيرة قبل ولادة حياة جديدة. كيف أصف لك شعوري وأنا أستعد لأن أكون زوجتك، شريكتك، أن أحمل اسمك وأحيا تحت سقف واحد معك؟ كيف أصف انتظار تلك اللحظة التي سأنظر فيها إلى عينيك وأنت تقرأ الفاتحة عليّ أمام الله والناس، وتقول إنني زوجتك الحلال، إنني نصيبك، إنني حياتك؟
يا بدري، يا سندي، يا رجلًا صنع من قلبي سماءً ومن روحي وطنًا… لم أكتب لك من قبل مثل هذا الكم من الكلام، لأنني دائمًا كنت أشعر أن ما بيننا أعمق من الكلمات. لكن اليوم، وأنا أستشعر قرب الفرح، أجدني مشدودة لأن أقول لك كل ما لم أقله، لأن أفضي بكل ما في صدري من شوق وفرح وخوف أيضًا. نعم، خوف… أخاف أن تمر هذه الأيام مسرعة فلا أحتوي كل لحظة منها، أخاف أن تسرقني التفاصيل الصغيرة فأفقد متعة الترقب، أخاف أن أبكي كثيرًا يوم الزفاف فلا أراك بوضوح، أخاف أن لا تكفي اللغة لتقول لك: أحبك.
حبيبي… سأخبرك سرًا: أحيانًا أجلس وحدي وأتخيل بيتنا. أرى ملامحه كأنه حاضر أمامي، أرى تفاصيل غرفة نومنا، ألوان الحوائط، ضحكاتنا تتناثر في الأركان، رائحة قهوتك في الصباح، صوتك وأنت تناديني بلقب جديد: “مراتي”. يا الله، كم انتظرت أن أُدعى بهذا الاسم منك، كم حلمت أن أكون زوجتك التي تملأ قلبك وفكرك. أعيش على هذا الحلم وأتنفسه، وكل يوم يمر يجعلني أتيقن أنني في الطريق الصحيح، وأنني لم أخطئ حين اخترتك.
سندي، إنني لم أجد فيك مجرد رجل للزواج، بل وجدت فيك المعنى الكامل لكلمة “شريك”. أنت الشريك في الحلم، في الألم، في الحزن، في الفرح، في الطموح، في تفاصيل العمر كلها. أنت الشريك الذي أستطيع أن أضع أمامه ضعفي دون خوف، وأبكي أمامه دون خجل، وأتكئ عليه وأنا أعلم أنه لن يخذلني.
خمسون يومًا فقط يا بدري… وبعدها سأخلع عني ثوب الانتظار وأرتدي ثوب الأمان. سأترك وراء ظهري كل ما واجهناه من أوجاع وأحزان، وسأبدأ معك فصلًا جديدًا عنوانه الطمأنينة. خمسون يومًا وسأدخل بيتنا الذي طالما حلمت به معك، بيتنا الذي سيشهد على ضحكاتنا، وخلافاتنا الصغيرة، وتصالحنا الكبير، على أحلامنا المشتركة، وأطفالنا الذين سأراهم في عينيك قبل أن يولدوا.
يا حبيبي، إنني حين أفكر فيك أشعر أنني أمتلك الدنيا كلها. وحين أتذكر أنني سأكون معك رسميًا بعد خمسين يومًا فقط، أشعر أن الكون كله يرقص معي. هل تتخيل معي أنني أعد الأيام كالعاشقة الصغيرة التي لا تعرف شيئًا عن الزمن إلا حبيبها؟ هل تعلم أنني كل ليلة قبل أن أنام أقول في قلبي: “اللهم قرّب المسافة بيني وبينه، اللهم بارك في حبنا، اللهم اجعل أيامنا القادمة خيرًا من كل ما مضى”.
سندي وحبيبي، لقد كنتَ في حياتي نعمة لا أقدر على شكر الله عليها حق قدرها. لقد كنتَ دائمًا يدًا تنتشلني من الغرق، وذراعًا يفتح لي الطريق، وصوتًا يهدئ من روعي. لم أشعر يومًا أنني وحدي وأنت معي، ولم أحتج إلى سند غيرك ما دمت أنت بجانبي. كنتَ لي الصديق قبل أن تكون الحبيب، وكنتَ الحلم قبل أن تكون الواقع، وها أنت اليوم على بعد خمسين يومًا فقط من أن تكون العمر كله.
أريد أن أعدك وعدًا أمام الله وأمام نفسي: أن أكون لك كما كنت لي. أن أكون سندك حين تتعب، وظهرك حين تنحني، وضحكتك حين يثقل قلبك. أن أكون لك الرفيقة التي ترافقك في الطريق كله، في الحلو والمر، في اليسر والعسر. أريد أن أبني معك حياة تليق بكل ما عانيناه حتى وصلنا إلى هذه اللحظة، حياة تكون تعويضًا عن كل دمعة وعن كل انتظار.
بدري، يا من جعلت قلبي يعرف معنى الاطمئنان، أعدك أن تكون أيامي كلها دعاء لك، أن أسهر على راحتك كما تسهر أنت على راحتي، أن أكون لك وطنًا قبل أن أكون زوجة. وأنت تعلم أنني لا أقول هذا من فراغ، بل من حب اختُبر وعاش أصعب الظروف وصمد.
خمسون يومًا فقط يا سندي، وستكون البداية التي لا نهاية لها. سنقف معًا أمام الناس كلها ونعلن أننا اخترنا بعضنا رغم كل شيء. سنقول للعالم: نحن هنا، وسنبقى هنا. سنقول لهم إن الحب حين يكون صادقًا لا ينهزم، وإن الحلم حين يكون مشتركًا لا ينكسر. سنقول لهم إن الله يجمع بين الأرواح التي كتب لها أن تلتقي مهما طال الطريق.
أحبك أكثر مما تتخيل، أكثر مما تستطيع الكلمات أن تحتمل. أحبك حبًا يجعلني أبتسم وأنا أكتب الآن رغم دموعي، ويجعلني أطمئن رغم خوفي، ويجعلني أستسلم لقدر الله وأنا مطمئنة أنك نصيبي.
بدري، سندي، حبيبي… إنني أراك غدي كله، وأراك راحتي، وأراك الحلم الذي تحقق، وأراك الدليل على أن الله يعدل ويعطي بكرم لا ينفد. كل ما أتمناه أن يبارك الله لنا في أيامنا القادمة، وأن يجعل بيتنا عامرًا بالحب، وأن يرزقنا السكينة التي حلمنا بها طويلًا.
خمسون يومًا فقط يا حب العمر… وبعدها لن أكتب لك رسائل انتظار، بل سأكتب لك رسائل حضور. وبعدها لن أتحدث عن شوقي، بل سأعيشه في كل لحظة. وبعدها لن أترقب الغد بقلق، بل سأعيشه بجوارك بطمأنينة. وبعدها سأقول للعالم كله: هذا هو سندي وبدري وحبيبي، وهذا هو نصيبي الأجمل.






المزيد
حتى الموت لم يستطع أن ينتزعك من قلبي بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى
اليوم الأول لماذا تُعد انتخابات اتحاد الناشرين المصريين حدثًا مهمًا للثقافة المصرية؟ بقلم هاني الميهي