مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يسكتون جوعهم بالحصا

Img 20250518 Wa0043

كتبت: ملاك عاطف 

 

ينتشر الجوع كوباءٍ قاتل بين أهالي القطاع، ويجبرهم على جوب الشوارع؛ بحثًا عن التكيات المتلاشية؛ فمع نفاد ما كان من العدس والفريكة والحبوب الشحيحة، أغلقت التكيات أبوابها قسرًا في وجه الجياع، وتركتهم يتدافعون أمام أركانها العابقة باللا شيء، ثم يروحون كما غدَوْا، خماصًا خائبين.

 

وتظل أمعاؤهم في تقلصٍ مستمر، ولا تكف معداتهم عن رغي عصاراتها التي تفعل متلازمة القرقرة والدوار. وتلح عليهم أجسادهم في طلب الطاقة، وحين ينتابها اليأس من طول الانتظار، تقتات على نفسها، وتبدأ الأوزان بالتناقص شيئًا فشئًا، لينتهي بهم المطاف في نحافة وضعفٍ شديدين، وتخور القوى، ويلوح الموت البطيء بالأفق المخضبة بانعدام كل المقومات، ويتهاوى الناس في الطرقات أبدًا بلا نهوض، ولا تنفك عنهم المجاعة حتى يخروا سراعًا كأعجاز النخل الخاوية، فهل يرون لنجدة العرب من باقية؟

 

وحين يستمر الزمن في كشف لحاف الصمت عن خيانة العرب المخزية، يلوذ الغزيون إلى الخيار الأوحد المتبقي، فيصومون ويصومون، ويصلون الليل بالنهار صَوّامين، ولا ينتظرون أيام النافلة؛ فربما يسبقها الرحيل إليهم.

 

وفي الزاوية الأخرى من هذه الأرض المجروحة، تُحصي المنظمات أعداد الجوعى، لا لتطعمهم، بل لتوثق الجوع كأثرٍ عالقٍ في جسدٍ منهك. فتقول الأرقام إن *93% من سكان غزة* يرزحون تحت انعدام الأمن الغذائي، وإن أكثر من *345,000 شخص* قد لامسوا حافة المجاعة، تلك التي لا تُذر ولا تُبقي. أما الأطفال، فـ*96% منهم* لا يعرفون سوى صنفين أو أقل من الطعام إن وجد، ويقف *خمسون ألفًا* منهم على باب الهزال في انتظار جرعة تغذية طارئة قد لا تصل. وهكذا يُسجَّل القحط على هيئة تقارير، وتُرصَد المجاعة وكأنها نشرة جوية، لا كارثةٌ تفتك بالبشر.

 

أما أطفالهم، فيلوكون الحصا خبزًا بعد أن تغلى في القدور مع الماء، بالقدور ذاتها التي عادت من رحلة البحث عن التكية كما ذهبت، فارغةً تجر أذيال سوء التغذية والتضور والحرمان.

 

وتظل النجاة من سلاح التجويع المحرم دينيًا بيد الله سبحانه، هو حسبهم ونعم الوكيل.