مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يحيى القطب يكتب… ظاهرة الماميز

بقلم الكاتب و الباحث / يحيى القطب

يُتداول مصطلح «الماميز» هذه الأيام على سبيل السخرية؛ يُقال أحيانًا للدلالة على المبالغة في الرعاية، أو الإفراط في القلق، أو التعلّق الزائد بالأبناء. وكأننا أمام ظاهرة جديدة طارئة على المجتمع، تحتاج إلى تفسير أو علاج.

لكن ما إن نقترب قليلًا من الواقع، حتى يتبدّد هذا الوهم.

لسنا أمام ظاهرة مستحدثة، بل أمام دور قديم تغيّر اسمه فقط.

الأم التي تُسمّى اليوم ماميز هي ذاتها الأم التي حملت، وربّت، وسهرت، وصبرت، ثم مضت دون ضجيج. الفرق الوحيد أن المجتمع صار أكثر ميلًا إلى التسمية، وأقل ميلًا إلى الفهم.

منذ أقدم العصور، لم تكن المرأة المصرية عنصرًا هامشيًا في بناء المجتمع. في النقوش القديمة، وفي الحكايات الشعبية، وفي بنية الأسرة نفسها، كانت الأم شريكًا كاملًا في تثبيت دعائم البيت، لا تابعًا ولا زائدًا عن الحاجة. لم يكن دورها موضع نقاش، بل مسلّمة اجتماعية.

وكان هذا الدور يُمارَس في صمت؛ لا ينتظر تصفيقًا، ولا يطلب اعترافًا، لأن قيمته كانت بديهية. ومع تغيّر الإيقاع الاجتماعي، وتبدّل شكل الحياة، بقي الجوهر كما هو، بينما تغيّرت اللغة التي نصفه بها.

وإذا تركنا التاريخ وعدنا إلى الحاضر، سنجد المشهد نفسه يتكرر بصور مختلفة.

أمهات يخرجن في الصباح الباكر، في برد قارس أو حرّ لاهب، يرافقن أبناءهن إلى المدارس والمجموعات، ينتظرن طويلًا حتى انتهاء اليوم الدراسي، ثم يعدن إلى بيوت لم تهدأ فيها المسؤوليات. وفي المساء، تبدأ جولة أخرى: مراجعة الدروس، متابعة الواجبات، احتواء التعب، وتسكين القلق الصغير الذي يحمله الأطفال معهم إلى النوم.

كل ذلك يجري بالتوازي مع أعباء منزلية لا تتوقف، ومع مسؤوليات لا تُؤجَّل، ومع شعور دائم بأن التقصير — مهما كان بسيطًا — ذنب لا يُغتفر.

وفي هذا السياق، لا يبدو القلق ترفًا ولا مبالغة، بل استجابة طبيعية لثقل الدور وتشعّبه. فحين تتراكم المسؤوليات دون أن يُعاد توزيعها أو الاعتراف بها، يصبح الحرص الزائد هو خط الدفاع الأخير.

هذا الجهد الهائل، الذي لو وُزِّع على أكثر من شخص لتقاسموه، يُختصر أحيانًا في كلمة ساخرة.

نسمّيه مبالغة، أو تدليلًا، أو قلقًا زائدًا.

وكأن المجتمع، بعد أن استهلك هذا العطاء كاملًا، قرر أن يُعيد تقديمه في صورة نكتة.

المفارقة أن كثيرًا مما نراه اليوم تدخّلًا زائدًا، لم يكن في حقيقته إلا محاولة لسدّ فراغات لم يصنعها الأبناء، بل صنعها إيقاع الحياة نفسه. عالم أسرع، ومسؤوليات أثقل، ومخاوف أكثر تعقيدًا. والأم — كما كانت دائمًا — تقف في المنتصف، تمتصّ الصدمات، وتعيد ترتيب الفوضى، ثم تُطالَب بأن تفعل ذلك بهدوء ودون لفت انتباه.

لسنا أمام أمهات يبالغن في أداء دورهن، بل أمام أدوار اتسعت، ولم يُعاد تعريفها بعد.

وأمام مجتمع يطالب بالنتيجة، ثم يتبرّم من ثمنها.

لذلك، حين نسمع مصطلح «ظاهرة الماميز»، ربما يجدر بنا أن نتوقف قليلًا قبل إطلاق الحكم.

أن نسأل: هل نرى فعلًا ظاهرة جديدة؟

أم نرى جهدًا قديمًا، أثقلته الظروف، ثم أُسيء تسميته؟

فبعض الأعباء لا تُسمّى…

بل تُحتمَل فقط.