مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يا حسرة على أهل الحب

كتبت: مريم محمد خليل

 

الذكريات مثل الخفافيش المزعجة التي تملئ الكهوف ليلاً، تتجول حولي بأنينها المتواصل والمزعج حد السماء، تنسج خيوطٌ إلى أعماق عقلي وتترك بداخلي ظلامٌ حالك الديجور، العتمة مميتة هنا بداخلي، وصوت صرير الهواء القادم من زجاج النافذة المكسور كحطبٍ يزيد نيراني إشتعالاً، الليلة مختلفة عن كل ليلة؛ فهو موعدنا مع الثامن والعشرين من أبريل، احتفل بعودة قلمي إلى الحياة من جديد، لم تنفذ أحباري كما ظننت ولكن ماذا حدث؟ مللت الكتابة عن تلك الخفافيش التي اتخذت من جسدي موطنًا لها بدلٌ عن الكهوف، تستوطن بجذوعها أعماقي عامًا بعد عام ولا أشعر إلا بمرور الوقت مع شدة الألم المريع، أرقام تتبدل وأنا هنا عالقٌ مع أفكاري المؤذية، لا أقوى على الحراك ولا أخطو خطوة خارج المنزل منذ زمنٍ لا أكاد أجزم مدته، أتسمع؟ الأنين يصدر من كل ركنٍ في غرفتي الباهتة، ملابس الحزينة، كتبي المهجورة، أوراقي وأقلامي القديمة ودفاتري المرصوصة بعضها فوق بعض وقد غطاها الغبار، كل ما لمستيه أنتِ بات مصدرًا؛ لجذب الخفافيش المزعجة التي لا أشعر بوجودها إلا داخل عقلي الباطن، أشعر أحيانًا بالشفقة على نفسي مما وصلت إليه، أخاف أن أصاب بالجنون وتكونين أنتِ السبب، أهرب من عقلي إلى ذلك النبات الغريب، أشعل سيجارة تلو الأخرى ويتناثر الدخان من حولي؛ لتملأ رائحته أرجاء المكان، أغمض عيني؛ لأهرب من أي ذكرى تجمعني بكِ، فتخونني الذاكرة وأشعر بلمسات يديكِ الناعمتين، أرى طيفكِ يتجول أمامي ولا يبرح حتى يعيدني إلي آخر لقاءٍ بيننا، وإن هربت إلى النوم، أراكِ بين زحام الأرفف تقفين هناك في آخر ركن من أركان غرفتي، ابتسامتكِ لا تفارق وجهكِ الذي دائمًا ما أشعر بموج البحر الهائج يشع منه، تثير إبتسامتكِ شكوكِ كثيرًا، هل هي انتصار بقتلكِ لي رويدًا رويدا؟ أم بأنكِ تودين أن تخبريني بأن أكمل حياتي وأن كل تلك الأحزان ستمر؟ أظن عبثًا أن كل هذا سوف يمر، جملتي المعتادة التي لطالما كنت أذكرها أمامكِ كلما هددتيني بالرحيل، ولكن ما لم تدركيه أن كل الأسى سوف يمر فقط؛ لأنكِ كنتِ معي، بجانبي، تمسكين بي بعزم ما فيكِ، وبعد مرور كل تلك الأشهر، لم أكن أصدق أننا تركنا الحب والوفاء واتجهنا إلي الفراغ، إلى أرض الجحيم كما كنتِ تسمينها دائمًا، أخشى أن أخبركِ بأن ضياع مدينتنا الفاضلة أهون علي من ضياعكِ من بين يدي، أتعلمين؟ اعتدت السفر بعقلي إلي أمكان كثيرة أبحث فيها عن الأمان، عن مكان أستطيع فيه أن أجد ذاتي التي أخذتيها معكِ، أبحث عن فتات قلبي حتى أجمعه لعلي أجد فيه ما يرشدني إليكِ، وبعد كل هذا البحث الطويل من الليالي والشهور أدركت أن نهاية خريطتي الصماء إلى ذلك الكهف المظلم وبجانب تلك الخفافيش .