مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم هاني الميهي

الفصل الخامس – ميزان النفس

اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الجزء الرابع – الاستقامة بوصفها اختيارًا يوميًا

 

لم أفهم معنى الاستقامة إلا حين أدركت أنها لا تُمنَح مرة واحدة، ولا تُعلَن فى لحظة حماس، بل تُختار كل يوم. الاستقامة ليست حالة يصل إليها الإنسان ثم يستقر، بل فعل متكرر، يحتاج إلى يقظة دائمة، وإلى ميزان لا ينام..

كنت أظن أن الاستقامة تعنى الثبات المطلق، فإذا بها فى حقيقتها حركة واعية داخل حدود واضحة. أن تبقى مستقيمًا لا يعنى أن تكون جامدًا، بل أن تتحرك دون أن تنحرف. أن تتغيّر دون أن تفقد جوهرك. وهذا الفهم لم يأتِ إلا بعد أن جرّبت التذبذب، ورأيت كيف تُنهك النفس حين تفقد اتجاهها.

فى تفاصيل الحياة اليومية، تتجسّد الاستقامة فى أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد. فى طريقة الردّ، فى توقيت الصمت، فى قرار التأجيل، فى الامتناع عن ما يبدو مباحًا لكنه يُثقِل الداخل. هناك، فى هذه التفاصيل، يُختبر صدق الإنسان مع نفسه.

الاستقامة اختيار لأن النفس بطبيعتها تميل إلى الأسهل، لا إلى الأقوم. تميل إلى الحلول السريعة، والمخارج المريحة، والتبريرات الجاهزة. أما الاستقامة، فهى طريق أطول، وأهدأ، وأثقل على النفس غير المدرَّبة. لكنها الطريق الوحيد الذى لا يترك أثرًا من الندم.

تعلمت أن الاستقامة لا تُقاس بعدد القرارات الكبيرة، بل بعدد المرات التى رفضت فيها الانحراف الصغير. ذلك الانحراف الذى لا يراه أحد، ولا يُحاسَب عليه أحد، لكنه يترك أثره فى الداخل. ومع تكراره، يختل الميزان، وتضيع البوصلة دون أن يشعر الإنسان.

فى هذه المرحلة من الرحلة، صار السؤال اليومى بسيطًا، لكنه حاسم: هل ما أفعله الآن يحفظ اتزان نفسى، أم يخلخله؟ هذا السؤال لم يكن قيدًا، بل كان حارسًا. حارسًا يمنع النفس من أن تُسلِم قيادها للعادة أو للضغط أو للهوى.

الاستقامة لا تعنى العصمة، ولا تُلغى الخطأ. لكنها تمنح الإنسان قدرة على العودة السريعة. أن يكتشف انحرافه مبكرًا، قبل أن يتحوّل إلى مسار. وأن يُصحّح اختياره دون جلد للذات، ودون مكابرة. فالنفس المستقيمة ليست تلك التى لا تخطئ، بل تلك التى لا تُقيم فى الخطأ.

ومع مرور الوقت، لاحظت أن الاستقامة تُورِث طمأنينة لا تُشبه أى راحة مؤقتة. طمأنينة ناتجة عن انسجام الداخل مع الخارج، وعن غياب الصراع بين ما أؤمن به وما أفعله. تلك الطمأنينة هى أثمن ما يمكن أن تمنحه النفس لصاحبها.

وحين تأملت مسار الرحلة، أدركت أن ميزان النفس لا يُحافَظ عليه إلا بالاستقامة اليومية. لا بالمواقف البطولية النادرة، ولا بالوعود الكبيرة، بل بالاختيارات الصغيرة المتكررة. فهناك، فى هذا التكرار، تتشكّل الشخصية، ويُصان الداخل، ويستقيم المسار.

وهكذا انتهيت إلى قناعة هادئة: أن الاستقامة ليست نهاية الطريق، بل طريقٌ فى حد ذاته. طريق لا يُصفّق له أحد، لكنه وحده الذى يحفظ للنفس معناها، ويجعل الإنسان قادرًا على أن ينظر إلى نفسه دون أن يُشيح بوجهه.

رسالة الجزء

الاستقامة ليست ادّعاء الكمال، بل اختيارٌ يومى يمنع النفس من أن تفقد اتجاهها.

 

#هاني_الميهى

#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا