يحلو لي في لحظات الغروب أن أتوقف، حينما تمسح الشمس بأصابعها الذهبية آخر بصمات النهار على وجه السماء. تلك اللحظات التي تذوب فيها الحدود بين النور والظلام، كأنما الكون يتنفسُ صعداءً قبل أن يستسلمَ لسواد الليل.
أرقبُ الشمس وهي تغوص خلف الأفق، وكأنها تودع العالم بكل حنان، تاركةً خلفها ألواناً تروي حكاياتٍ لا تُقال. اللون الأحمر يمتزج بالأرجواني، والذهبي يذوب في الأزرق، وكأن السماء لوحةٌ
و أُراقِبُ الغُروب ينسحبُ بِخُطوةِ عاشِقٍّ وَجِل.. يُقَبِّلُ الأُفُقَ بِحُزنٍ، وَيَذُوبُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّيْل.
اللَّونُ الأَحمَرُ يَتَدَفَّقُ كَجُرحٍ نَزِفَ بِصَمت، وَالسَّماءُ تَلبَسُ عِطْفَ الأمِّ، تُغَطِّينِي بِسَترِها قَبْلَ أَن تَغِيب.
هَذِهِ اللَّحظَةُ.. حَيْثُ يَختَلِطُ النُّورُ بِالظَّلام، كَقلْبِي حِينْ يَتَذَكَّرُ وَجْهاً لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَيَضِيعُ بَيْنَ “كَانَ” وَ”لَيتَ”.
أَسأَلُ نَفْسِي: هَلِ الغُروبُ نِهايَةٌ أَمْ بَدْءٌ لِعُتمَةٍ أَجمَل؟
وَفي الجَوَابِ.. تَسْقُطُ أَوْرَاقُ الذِّكرَى، فَأَعْرِفُ أَنَّ الحُزْنَ وَحْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُشْعِلُ القَمَرَ فِي أَعْمَاقِنَا.
في هذه اللحظات، أشعر بأن الزمن يتوقف، وأن همومي تتبخر مع آخر أشعة الشمس. الغروب ليس مجرد نهاية، بل هو تذكيرٌ بأن كل شيءٍ جميلٍ لا بد أن يرحل، لكنه يترك وراءه أثراً لا يمحى.
أحياناً، أتمنى لو أستطيع أن أحبس هذه الومضات الذهبية في قلبي، لأضيء بها أيامي المظلمة. لكن الغروب يعلمني أن الجمال الحقيقي يكمن في فنِّ الوداع، وأن كل غروبٍ يحمل بين طياته وعدًا بفجرٍ جديد .






المزيد
العيون الواسعةبقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد عاصي
خاطرة: المُبادِرُ المَنسِيِّ بقلم نورا عصام
فتاة أهلكتهاالمواقف بقلم إيمان يوسف احمد