بقلم/ خالد محمد شعبان
“امتحاني غدًا”… عبارة تجوب عقلك ذهابًا وإيابًا وأنت جالس إلى مكتبك، أمامك المراجع والمفكّرات تراقبها في صمت، وكلما حاولت لمسها تشعر أن يدك قد سحبها خيط خفي مربوط بثقلٍ ضخم يجذبها إلى الأسفل، فتتراجع وتسأل نفسك: لِمَ كل هذا العذاب؟ لِمَ عليَّ أن أدرس كل تلك المعلومات في وقت واحد لأصبّها في ورقة الامتحان في اليوم التالي؟! أنا في كل الأحوال راسب؛ فالأستاذ قد أخبرني أني لست أهلًا لدراسة تلك المادة، وليلة واحدة لا تكفي لحفظ كل هذا المقرر، فما فائدة المجهود إذن؟! سأبحث عن وسيلة للغش غدًا وسأنام الآن لأرتاح قبل الامتحان.
هنا، وبعد خلودك إلى النوم، يخرج من الركن المظلم في الغرفة، ببذلته الأنيقة وطول قامته، واضعًا على وجهه قناعًا مبتسمًا، وفور تأكده من نومك يزيل القناع ويرميه ويصفق لنفسه ثم يرحل باحثًا عن ضحية جديدة. وهذا يا صديقي كان “اليأس المُقنَّع”.
إنه حالة من اليأس والملل تأتي مصحوبة بسيل من المبررات الواهية، لكنها قد تبدو منطقية بل وصحيحة في حالة واحدة: إن أردتَ أنت جعلها كذلك. ولا يمكنك أن تمضي شهورًا تحرث وتبذر وتروي وتسمّد وترعى الشجرة، ثم تحزن عندما تكتشف أنها “حنظل”. أعلم أنك كنت تريد البرتقال، لكنك بالخطأ زرعت الحنظل عوضًا عنه، وهذا بالضبط ما يحدث عند الوقوع في شباك “المُقنَّع”؛ تنوي شيئًا ثم تتغير المسارات وتتحول نيتك لشيء آخر، كل هذا فقط لأنك صدّقت أكاذيبه.
عقلك لا يفرّق بين بذور الحنظل والبرتقال، لكنه يفرّق بين الدراسة والنوم؛ فالأخير راحة له، والأولى تعب ومجهود. وإذا خُيِّر أي عقل بين التعب والراحة فسيختار الراحة بلا تفكير. فعقولنا تمامًا كالأرض التي تزرع فيها؛ لا تفرّق بين برتقال وحنظل، فأي بذرة تُدفن فيها ستساعدها على النمو والتكاثر؛ لذلك أنت من يحدد ماذا يريد.
من الطبيعي إن شكّت امرأة في زوجها أن تواجهه بتلك الشكوك، والعكس بالعكس، لكن أغلب الناس لا يفعلون ذلك! فالضغط المتولد عن خوفك من رد فعل شريكك قد يكون عائقًا في طريق تلك المواجهة الحاسمة، والعقل يسعى دومًا للاستقرار ويركن إلى الحلول السريعة والسهلة والرخيصة في الوقت ذاته؛ فلا يجد إلا التجاهل والتصرف وكأن شيئًا لم يكن حلًا لتلك المعضلة، رغم كون المشكلة حاضرة وموجودة. فعقلك لا يأبه بميثاق الأخلاق والشرف؛ كل ما يريده هو توفير الجهد، وكلما ادّخر طاقة زاد ثقله وضعفت إرادته، كدبٍّ بنيٍّ كبير استسلم للشتاء القارس ودخل كهفه لينام فيه بضعة أشهر ريثما يرحل البرد وينجلي الثلج. فلا تدع لعقلك فرصة ليدّخر كمًّا من الطاقة يحوّله إلى دب سمين وكسول.
أعلم أنه من الصعب أن تواجه، ومن الصعب أن تتخذ قرارًا ببذل مجهود عنيف وأنت بكامل قواك العقلية، وما يجعل هذا الأمر صعبًا ليس “المُقنَّع” ولا الشيطان ولا أعداؤك، بل إن لك عدوًا لو سُلِّط عليك وحده لتكفّل بك؛ فالشيطان والمُقنَّع أعداء خفيون لكن كيدهم ضعيف، لا يملكون إلا الوساوس الخبيثة وتبرير الكسل، أما عدوك الأول فإنك تراه كل يوم في المرآة؛ إنه “نفسك”.
إنه أخطرهم عليك؛ لأنه يعلم مسبقًا بكل تحركاتك، لا يمكنك إقناعه بسهولة، ولا إجباره طوال الوقت، ولا تجاهله حتى؛ فهو عدو يعيش بداخل كيانك ويشكّل جزءًا منه، فإما أن تواجهه أو تترك له زمام الأمور وتنتظر نهايتك المحتومة. وهذا ما يصعّب المواجهة مع الآخرين ومع المهام الصعبة، بل هو أساس الضغط والتوتر والقلق؛ فنفسك هي مصدر هذا الثقل الذي كان يسحب يديك وأنت تذاكر، وليس “المُقنَّع”. لذا فعليك أن تنتبه في المرة القادمة إلى عدوك الحقيقي.
إن معرفة العدو هي أول طريق لهزيمته، ولا تكون هزيمة النفس إلا بتحمّل الضغط الناتج عن وزن الثقل الذي تستعمله النفس لتفرض رأيها في كل مرة، وكلما تحملته وصبرت عليه ضعفت نفسك أمامك وزال جبروتها عليك. لذلك قالوا إن “الصبر مفتاح الفرج”، لأن التحمل والتحامل على النفس يعوّدها المشاق، ويجعلها تألف المجهود وتقبله وتستسيغه، أما الركون إلى الكسل في كل مرة فهو يعوّدها الادخار والتخمة.
لكنك لن تستطيع تحمل هذا الثقل دون سبب ودافع قوي يحملانك على الصبر والثبات لفترات طويلة، وإلا سيقوم “المُقنَّع” بزرع الشكوك التي ستأكل معتقداتك من الداخل ثم تجعلها حطامًا. ولمقاومة الشك لا بد من إيمان قلبي خالص نقي من الشرك والرياء والنفاق والكبر وما شابه هذه الأمراض الخبيثة؛ فبذور الشك لا تنمو في تربة صالحة، وبذور الإيمان لا تنبت في أرض قاحلة.
تسلّح بإيمان صلب قوي، ولا تُبقِ مجالًا للتفكير في جدوى ما تقوم به الآن؛ لأن الإيمان محلّه القلب لا العقل، فصدّق بقلبك وأعمل عقلك فيما تصنع لا في جدوى ما تصنع. فإن صدقت تغلّبت على “دب الكسل”، ويئس منك “المُقنَّع”، ورحل عنك الشيطان.
ولا تنسَ أن لبدنك عليك حقًا، فلا تهمل غذاءك وراحتك وتمارينك؛ فإن لم يكن الوعاء سليمًا لن يحمل الماء. وصُن نفسك تجدها عند الشدائد، ولا تحمّل نفسك فوق طاقتها؛ فما كان كثيرًا قسّمه إلى أقل، وما كان بعيدًا قسّمه إلى الأقرب، وما كان ثقيلًا قسّمه إلى أصغر.
وإذا وقفت بين يدي الله داعيًا، فلا تسأله حياة سهلة، بل ادعه بقوة في نفسك، وإيمان في قلبك، وثبات في عقلك، وأن يعينك على تحمّل الحياة الصعبة.






المزيد
الطفل اليتيم بين الفقد والأمان: فهم تجاربه العاطفية ودور المجتمع في دعمه
فن المشهد الواحد: ما وراء كادر القصة
كيف يعيد الربيع شحن الطاقة النفسية للفرد