مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وسط الطريق المظلم

Img 20250318 Wa0023

 

بقلم: سها طارق “استيرا” 

في إحدى الليالي الحالكة، كنت أستكشف شوارع متهالكة مليئة بالغموض. كانت الأشجار تتمايل بفعل الرياح القوية، وأصوات الرياح تهمس بأصوات غامضة كأنها تحكي حكايات مرعبة. كان الرعد يعصف بصوت يخرق السكون، وكأن السماء تصرخ معبرة عن الألم الذي يعتري قلبي المتأزم. بينما كانت الأمواج تتلاطم بشدة على الشاطئ البعيد، تصدر صوتًا كأنها تزأر بغضب. شعرت وكأنني في مكان مسحور، حيث كانت الجماجم والهياكل العظمية تتناثر حولي، تلقي ظلالًا مخيفة على الأرض المليئة بالشقوق، مما زاد من إحساسي بالخوف والضياع. كانت الأضواء الخافتة تلقي ظلالًا طويلة متراقصة، وكأنها تحكي قصصًا منسية عن الأرواح التي عاشت هنا.

 

بينما كنت أواصل السير، رأيت ظل شخص بعيد يقف بشموخ، ينظر إلي بنظرات لم أستطع فهمها، هل هي شفقة أم خوف؟ كان ضوء القمر الخافت يلمع على ملامحه، مما يضفي عليه هالة من الغموض. لكنه لم يتحرك نحوي أبدًا، كأنني كنت محاصرة في فقاعة من العزلة. كانت قدماي تنزفان من الجروح، وكان الألم يسحق قلبي كأني أتحمل ثقل العالم على كاهلي. ومع كل خطوة، كان يزداد إحساسي باليأس، وكأنني أسير نحو المجهول بلا وجهة.

 

فجأة، وسط هذا الظلام الدامس، رأيت نورًا يضيء وجهي، وإذا بتيتا، جدتي، تقف أمامي. كانت ملامحها تحمل الطمأنينة التي كنت في أمس الحاجة إليها، لكنني رأيت في عينيها شيء آخر، كأنها تحمل عبءًا ثقيلًا من الماضي. هرعت نحوها وبدأت بالبكاء، وكأنني وجدت ضوءًا في نفق مظلم. سألتني: “ما بكِ يا صغيرتي؟ ولماذا أنتِ في هذا المكان؟” كان صوتها هادئًا لكنه كان يحمل قلقًا عميقًا. فأجبتها بدموعي: “كنت أسير وأشخاص كثيرون يطاردونني لأجل ذلك الشخص البعيد. فجأة وجدت نفسي محاطة بهذه البلدة الغريبة، وهذا الشخص الذي يراود أحلامي ينظر إليهم. ما الذي يجري هنا يا تيتا؟ ولماذا هذا المكان مليء بالهياكل والأشياء الغريبة؟”

 

نظرت تيتا خلفها وابتسمت ابتسامة حزن، ثم قالت بجدية: “هذا الطريق عليه لعنة غريبة منذ عام 1933. في ذلك العام، كان هناك ساحر مريب قد أطلق لعنة على هذه الأرض بعد أن فقد شيئًا عزيزًا عليه. ومنذ ذلك الحين أصبح مسحورًا، ومن يدخل فيه لن ينجو منه أبدًا. لقد عشت حياتي في هذا المكان، ورأيت أشياء لا يمكن وصفها. عندما كنت صغيرة، كنت أسمع قصصًا عن الأرواح التي فقدت في هذا الطريق. وفي كل مرة كنت أسمع تلك القصص، كنت أشعر بأنني أستعد لمواجهة شيء أكبر من قدرتي على الفهم.” كانت كلماتها كأنها تعيد إلي الأمل، لكنها أيضًا زادت من شعوري بالقلق. ثم أكملت: “يلا يا صغيرتي، قومي وتحاملي، ستجدين من يخرجك من هذا المكان.”

 

نظرت إليها بألم وقلت: “لا تتركيني وحدي، أنا موجوعة من بعدك يا تيتا، حضنك وحكاياتك أشياء كثيرة أفتقدها، لماذا تركتني؟” ردت قائلة: “أنا في مكان أجمل بكثير من هذا العالم، وأنا حولك دائمًا. لكن انتبهي، يا ابنتي، ستخوضين أشياء أكبر من قدرتك وستواجهين عالمًا ليس منا. الحياة أحيانًا تأخذنا إلى أماكن لم نتوقعها، لكننا يجب أن نكون أقوياء.”

 

فسألتها: “تقصدي إيه؟” أجابت: “انظري فيما بين يديكِ قبل فوات الأوان، فهو الوحيد القادر على المواجهة معكِ. يجب أن أذهب الآن، وقريبًا سأطمئن عليكِ.” كان صوتها يحمل قوة غامضة، وكأنها تسلمني إلى مصيري. شعرت بأن هناك شيئًا غير عادي حول ما قالت، وكأنها كانت تعلم شيئًا لم تفصح عنه.

 

قلت لها: “لا تتركيني، خذيني معكِ.” فردت: “لا يمكن يا ابنتي، فما زالت الحياة أمامك، وهناك أمل ينتظرك.” وفجأة، اختفى كل شيء، ما عدا ذلك الشخص الذي بدأ يقترب مني بصمت. كان يرتدي عباءة داكنة، وعيناه تشعان بحكمة قديمة تحت ضوء القمر الباهت. ثم تحدث قائلاً: “هيا بنا لأخرجكِ من هذا المكان.”

 

نظرت إليه ورأيت في عينيه الصدق، لكن الخوف لا زال يسيطر علي. بدأت أسير بجواره، فكانت خطواتنا تصدر صدى غريبًا على الأرض المليئة بالشقوق، وفجأة ظهر أمامنا شخص مرعب، يبدو كأنه ساحر مريب. قال بصوت غليظ: “إلى أين تذهبون؟ لقد بدأت المتعة الآن.” فجأة، تحولت عيون الشخص الذي معي إلى الغضب، وبدأ يتعارك مع الساحر حتى اختفى، تاركًا لي وحدتي وقلبي المرتجف. شعرت بتفكك العالم من حولي، وكأنني كنت أشاهد حلقة من كابوس دون أن أستطيع الهروب.

 

بينما كنت أراقب المعركة، ظهرت كائنات غامضة من الظلام، تتراقص حولنا بأشكال مشوهة وعيون تلمع كالنجوم في سماء الليل الداكنة. كانت تلك الكائنات تمثل الذكريات المظلمة التي عانت منها جدتي، وعندما حاولت الاقتراب، شعرت بشيء يربطني بتلك الكائنات، وكأنها تحكي قصصًا عن الماضي المؤلم. عرفت في تلك اللحظة أنني لم أكن وحدي، وأنني جزء من هذه الحكاية المظلمة. شعرت بألم الذكريات وهي تُسحب إلى السطح، وتمتزج بالأصوات المرعبة الصادرة من الكائنات. كان الصوت كأنين الروح المحاصرة، والألوان المتراقصة بين الأسود والأرجواني عكست حالة الكائنات، كأنها تعبر عن الألم الذي تعاني منه.

يتبع..