مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ورقة

ككتبت: الشيماء أحمد عبد اللاه

 

 

ليس أنا ذاك الشخص الذي أكتب تلك الرسالة، رسالتي الخاصة بي مكتوبة منذ وقت طويل ومحفوظة بعناية داخل ثيابي، هي فقط تنتظر أن أموت؛ لترسل إلى الشخص الموصى بأن ترسل إليه، أمر بديهي في أي حرب على كل جندي أن يكتب لأعز شخص في حياته رسالة مسبقة؛ لترسل إليه في حالة استشهاده.

 

 

أجلس منهمكًا، ضائعًا، ومشتت في مكان ما على هذه الارض، أخُطُ بيدي هذه الكلمات التي ربما قد تكون الأخيرة لي:

اليوم كان يومًا قاسيًا لأبعد الحدود، كان علينا السير لمسافات طويلة جدًا في ظروف قاسية، ونحن نجر خسائرنا، ونحمل جثث إخوتنا الذين قد فقدناهم، حملناهم على أكتافنا، تأملت وجوههم واحدًا تلو الآخر، كانت مظاهر الدهشة تعلو وجوههم، وكأنهم لم يتهيأو، أو لم يصدقون أن الموت قريب جدًا منهم.

 

الجثة الثالثة عشر، وهي تحديدًا التي قمت بتسجيلها في سجل الإحصاء اليدوي الذي نسجل فيه أسماء الجنود الذين توفوا في ذلك الحادث الأليم، لحظة شروعنا في جمع قتلانا المتناثر أشلائهم هنا وهناك، كانت تلك الجثة الوحيدة التي توقفت عندها لفترة طويلة، تأملتها جيدًا، ورفضت أن يقوم أي أحد غيري بتفتيشها، وجمع ما بثيابها من وثائق شخصية، وأشياء أخرى يمكن أن يحتفظ بها جندي داخل ثيابه.

 

 

إنها جثة الجندي (ص. ع) نفس الجندي الذي كنت أنا وهو نتحدث حديثًا وديًا قبل ساعات قليلة، فتشت بثيابه، ولقد عثرت داخل جيوب سترته العسكرية على نصف علبة من السجائر، هي نفسها علبة السجائر الأخيرة المتبقية لديه، والتي قد تقاسمناها سويًا، قبل ساعات عندما لم يبق عندي شيء لتدخينه، وهذه السجارة التي أدخنها الآن هي من تلك العلبة نفسها، وفي جيب آخر داخلي في السترة كانت هناك وثائق هوية مهترئة، وحافظة جلدية تحمل بداخلها رسالة مطوية، مختومة ومكتوب على غلافها المحفوظة بداخله عنوان مميز بعبارة واضحة: (إلى أمي).

تُرى ماذا كتب هذا الجندي الذي حملت جثته اليوم لأمه؟

ماذا أخبرها في كلماته الأخيرة؟

هل أخبرها عن ذلك الخوف الذي كان يهز جسده النحيف، أو هل تراه أخبرها عن ذاك الأرق الذي أرهقه ليل نهار؟ أم أخبرها عن الجوع أو عن الحر والبرد؟ هل أخبرها عن قروح قدميه التي تؤلمه من كثرة المشي والتعب، لعله أخبرها عن الدموع التي يذرفها ليلًا دون أن يشعر به أحد، أم يريد إخبارها عن اشتياقه لها، وطلب منها أن تسامحه، هل أخبرها أنه الآن ميت، وأن روحه تنظر إليها من السماء وتحرسها؟ عن ماذا سوف يخبرها؟

صمت لدقائق معدودة وقمت بفتح الرسالة، وكانت تحتوي على الآتي:

(أماه الأيام تمر في غيابك كالسنين، أود الآن احتضانك بشدة، ألتهف للمسة يديك الحانية، أنتظر بشدة يوم الخامس عشر من الشهر الجاري حتى تتلاقى أعيننا، وأتذوق من يديك ما لذ وطاب، ثلاثة عشر يومًا واليوم هو رابعهم، نحن نأكل هنا جيدًا لا تقلقي حيال ذلك الأمر، أعلم أنك قلقة، لكنها ساعات بسيطة تفصلني عن رؤيتك، أتذكرين حينما كنت في التاسعة ووبختيني على ترك طعامي واللهو طوال اليوم، وطلبتي مني شرب الحليب الذي لا أحبه، ولكن يومها شربت لأجلك، اليوم يقدمون لنا الحليب أيضًا لا أستطيع أن أتذوقه، لكني حينما أغمض عيني، أذكر فقط حينما كنتِ تطعميني بيدك، فأشربه شربة واحدة، مشتاق يا أماه، الأمور كلها على ما يرام، العدو خائف، ولن يحدث لي مكروه، سأتي وسأحضر لك الكثير من الكنافة التي تحبينها، وإن تأخرت عن التاسعة صباحًا حينها لا تنزعجي، لن يأتي أحد بجثتي لك، أمزح لا تنزعحي حببيتي ونور عيني، سنقضي ليلة الخامسة عشر سويًا، وآلان…………………………….)

أين باقي الجواب؟ لا أعلم، نصف الورقة ليس موجودًا، ماذا كان يود أن يخبرها إذًا؟ فتشت في كل زاوية في المكان، لم أستطع أن أجد غير وريقات صغيرة حاولت جمعها؛ كي أستطيع تكوين جملة، وكانت المفاجأة جملة هزت وجداني.

( أراك في الجنة حبييتي لقد أشتقت لكِ، مر على فراقك ثلاثة عشر يومًا، والآن رابعهم، سنلتقي إذًا عما قريب، أحب…)

 

وقد أكملت الحرف الأخير من آخر كلمة، وقد تطاير الحبر منها، بسبب أنها شبة ممزقة، كانت الحرف هو الكاف.

 

وكانت الكلمة ( أحبك).