وحده في دوامه الوجود
🖋️: مريم جمال
تدور بي الأيام، وتتوالى فصول الحياة، وأجدني اليوم واقفًا على حافة هذا العدم المتسع، حيث تتلاشى الأبعاد وتتداخل الخطوط، ليحتضنني فراغٌ لا نهائي يمتد أمامي. إنها صورةٌ آسرة، تحفة فنية تجسد عمق الوجود البشري وغموض المصير.
أرى أمامي نفقًا لولبيًا، يتكون من دوائر متحدة المركز، تتضاءل تدريجيًا لتلتقي في نقطة واحدة بعيدة، كأنها قلب العدم أو مركز الكون. تلك الدوائر، التي تتناوب بين الأبيض والأسود، تخلق إحساسًا عميقًا بالعمق والدوار، وكأنها تمثل مسارات لا حصر لها، طرقًا لم تُسلك بعد، أو ذكريات ضاعت في غياهب النسيان. إنها أشبه بالزمكان، يتمدد وينقبض، ليأخذني في رحلة داخلية لا حدود لها.
في قلب هذا الفراغ الشاسع، يقف شبح إنسان، صورة ظلية وحيدة، ضئيلة الحجم أمام عظمة الفراغ المحيط به. إنه أنا، وأنت، وكل إنسان تاه في دروب الحياة، يبحث عن معنى لوجوده، عن ضوء في آخر النفق. يظهر هذا الكائن البشري وكأنه يسير بخطوات بطيئة، مترددة، نحو المجهول. لا أعلم إن كان يتقدم نحو النور أم يغوص في الظلام، لكن كل ما أعرفه أنه يمضي، ومعه يمضي أملٌ لا ينضب، أو ربما يأسٌ لا نهاية له.
الظل الطويل الذي يمتد من هذا الكائن البشري يزيد من إحساسي بالوحدة والانعزال. إنه رفيق الدرب في رحلة الوجود، شاهد صامت على كل خطوة، على كل سقوط ونهوض. وكأن هذا الظل يحمل قصصًا لم تروَ، أحلامًا لم تتحقق، مخاوف تتربص في كل زاوية.
إن هذه الصورة ليست مجرد رسم خطوط ومنحنيات، بل هي مرآة تعكس دواخلنا، تعكس صراعاتنا وأسئلتنا الوجودية. هل هذا النفق يمثل نفق الزمن الذي يبتلعنا جميعًا؟ هل هو رمز للموت الذي ينتظرنا في نهاية المطاف؟ أم أنه يمثل رحلة الاكتشاف الذاتي، حيث نغوص في أعماقنا لنكتشف كنوزًا مدفونة؟
أشعر وكأنني أسمع صدى خطواتي في هذا الفراغ اللانهائي، صدى يتلاشى في العدم، ويتركني مع هواجسي وأفكاري. إنها دعوة للتأمل، للتفكير في طبيعة الوجود، في قيمة اللحظة الحالية، وفي أهمية كل خطوة نخطوها.
هذه الصورة تلخص التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها وجمالها. إنها تذكرني بأننا جميعًا نسير في هذا النفق، كل منا يحمل ظله الخاص، وكل منا يبحث عن وجهة، عن معنى. وفي خضم هذا البحث، نكتشف أن الرحلة نفسها هي الجوهر، وأن كل خطوة، مهما بدت صغيرة، تساهم في تشكيل هويتنا ووجودنا. إنها صورة تدعو إلى الصمت، إلى التأمل العميق، وإلى احتضان الغموض الذي يكتنف حياتنا.






المزيد
فليفـض الدمـع بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
حين اكتـفيتُ بنفسي بقــلم شــاهينـــاز مـحمــد
حين نجلس بجوار من غابوا… ونحاول أن نصدق أنهم ما زالوا هنا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر