مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وجع كانون بقلم بلال حسان الحمداني

وجع كانون
بقلم: بلال حسان الحمداني
في السادس عشر من كانون الأول عام 2018، وفي شهوري الأولى التي حملتني الرياح فيها إلى المنفى، خطفت ألغام الغدر ابنَ عمّتي، وصديقي، ورفيق دربي، ونديمي، وحبيبي «طارق». صادف غروبُ شمسه غروبَ شمس ذلك اليوم، وكأن الشمسين كانتا على موعدٍ مع الغياب معًا.
فليت طالعةَ الشمسين غائبة، وليت طالعةَ الشمسين لم تغب.
لله قلبي الذي طرقه آنذاك ذكرُ طارق؛ فما زالت الذكرى محفورةً في دمي. حين اختلج قلبي شعورٌ غريب تجاهه، رأيتني، وأنا في زحام العمل، أنتظر جرسه ليعلن نهاية يومٍ شاق، أفكّر فجأةً بطارق. كانت مدينتنا آنذاك ما تزال تشتعل بنيران الحرب، بعد فرار الخوارج (التنظيم) وسيطرة الملاحدة، فسدّوا عليها؛ ولم يكن ثَمّة تواصلٌ بيننا وبين الأهل سوى بضع رسائل في كل أسبوع، لسوء الشبكة وقسوة الأحوال.
فكّرت حينها أن أحاول الوصول إلى طارق للحديث معه. وحين فرغت من عملي، وكان الظلام قد خيّم على مدينة إسطنبول، عرّجت إلى بيتنا، وكان الصمت يسود الجميع. أخذ بيدي ابنُ عمّي أسامة إلى الخارج، وكنت أرى كلماته العالقة في حنجرته، التي لا يريد البوح بها، وكأنه يخشى أن ينطقها. غير أنني استنطقتُه، فأطلق رصاصاتٍ اخترقت قلبي قائلًا: طارق ارتقى شهيدًا.
لهول الصدمة لم أستوعب ما قال، فجلست على الرصيف أهذي باسمه، وأكذّب الخبر الذي طواني. بِتُّ ليلتي غير مصدّق، أحاول تكذيب ما سمعت، غير أن قلبي، الذي لم يكن يكذب شعوره يومًا حين يفكّر بأحد، كان يؤكّد لي ما حصل.
تعلّقتُ ببصيص أملٍ واهن، فكنت أبكي دون انقطاع. كانت الشبكة مقطوعة عند الأهل، ووجدتني مرابطًا على رقم عمّي، الأداة الوحيدة التي نتواصل عبرها، منتظرًا رسالةً تكذّب ما حدث. ومع مساء اليوم التالي جاءت رسائله سهامًا أصابت قلبي المُعنّى، قائلًا: مات طارق. فأنشدت:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ
فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يدع صدقُه لي أملًا
شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي
بلحظاتٍ استدعيت جلّ حياتي معه على مدى سبعة عشر عامًا عشناها بخير؛ حين كان وأهله يقطنون دمشق، وننتظر كل صيف زيارتهم، إلى أن اندلعت الحرب فحطّوا رحالهم في مدينتنا فارّين من نيرانها. هناك ابتدأت الحياة الحقيقية معه: في المظاهرات التي كنا ننادي فيها بأصواتنا الطفولية مطالبين برحيل الطاغية، ثم زمن حمل السلاح، حين كنّا نهرب معًا إلى الفصائل، باحثين عمّن يقبلنا أطفالًا لنحمل السلاح، وتخطيطاتنا الطفولية في الحرب… وأيامٌ لا تُنسى.
ورغم كل ما كان من أحزانٍ وهموم، عشنا بخير؛ بضحكاتنا التي كانت تملأ أرجاء الحي، بخطواتنا التي حفظتها أرض قريتنا، بليالي السمر الطويلة التي لا تنتهي إلا حين يغشانا النعاس، وبذكرياتٍ أكثر من أن تُحصى. فقد كان الأقرب إليّ من أولاد عمّتي؛ بعفويته التي لا تعرف الخبث، وبصدقه الذي لا يعتريه كذب، وبنقائه الذي لا يخالطه دنس، وبضحكاته الصادقة التي لا تعرف الخداع.
كان أميرًا فراتيًا أشقر، شعره الذهبي كسنابل القمح ينساب كالحرير على كتفيه، ووجهه المستدير كالبدر ليلة تمامه، وعينان واسعتان تنطقان بالبراءة.
ما برحت أفكّر حتى كدت أجنّ، وأنا أستذكر رحيلي المفاجئ من المدينة خلسةً بسبب كلاب الخوارج، دون وداعٍ معه، وبمصيري القادم حين أعود وقد خلت المدينة منه. أهمس لنفسي: هل صحيح أنني لن أراه بعد اليوم؟ هل صحيح أنه صار تحت التراب؟ طارق كلّه، بعفويته، بجماله، بصفاته الحميدة، رحل، ولم يترك لي سوى حسرةٍ وغصّةٍ في القلب، وذبحةٍ ترافقني أبد الدهر.
والأوجع من كل ذلك أنني لم أحظَ بوداعٍ أخير؛ بنظرةٍ أشيّع بها وجهه الملائكي قبل أن يُهدى إلى الثرى، ولا بقبلةٍ أرسمها على خدّه الجميل، ولا بأن أنكَبّ باكيًا على صدره. لم يكن لي حظٌّ من شيء:
فوا أسفًا أن لا أكبَّ مقبِّلًا
لصدركَ والرأسِ الذي ملِئا حِزمًا
لكن عزائي بلقاءٍ تقرّ به العيون، وتُروى به ظمأ القلوب، هناك عند الحوض، في جنّات الخلد، في جنةٍ عاليةٍ قطوفها دانية، حيث اللقاء السرمدي دون فراقٍ أو نأي. رحماتُ ربّي تترى عليك يا أبا البراء، حباك الله في الفردوس دارًا.
ابن خالك،
وصديقك الحزين إلى أن يعانقك.