مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

 واعظ الحي نقنقة  بقلم كلثوم الجوراني

واعظ الحي نقنقة 
بقلم: كلثوم الجوراني
لطالما رأيته واقفاً عند باب داره المجاورة لداري. وقبل ولوجي الباب يستوقفني، ليغدق عليّ من مواعظه الجميلة بصوته الهادئ وكلماته البليغة. اعتَدتُ أن أعود بعد منتصف الليل ثملاً، وجاري الواعظ كأن لا عمل لديه إلا انتظاري وسرد المواعظ؛ كلماتٌ رقيقة جداً، رقيقة إلى درجة أنها تدخل من أذني هذه وتخرج من الأخرى قبل أن أميزها أو أفهم معناها.
في أحد الصباحات، طُرِق الباب بشدة. خرجتُ لأرى رجال الشرطة يرافقهم صاحب البناية التي أسكن في إحدى شققها، وأخرجوني عنوة. لقد وجه لي تحذيراتٍ بالطرد مراراً وتكراراً لأنني لم أدفع الإيجار منذ أشهر؛ فقد أدماني الخمر، وجعل مني التسكع ليلاً شخصاً كسولاً لا ينهض من نومه إلا بعد الظهيرة. طُرِدتُ من العمل، وصرتُ عاجزاً عن دفع الإيجار وفواتير الكهرباء والماء والهاتف، حتى قارب رصيدي على النفاد، وها أنا أُطرد الآن إلى الشارع. مضت ليلتان، وربما ما في محفظتي من نقود لن يكفي لإطعامي ليلة ثالثة.
* مرحباً سيدي.
* مرحباً.. قالها ونظراته تتفحص وجهي وملابسي وكل جزء مني، من شعر رأسي حتى حذائي.
* سيدي، هل أجد عندكم عملاً، حتى لو كان مقابل طعامي ومبيتي؟
عاود النظر إليّ، ولكن نظراته هذه المرة حملت شيئاً من الحيرة، وبعد سكوت قصير قال:
* نعم، لدينا عمل ومكان تبيت فيه.
كدتُ أطير فرحاً. وبصوت يرتجف اقتربتُ أكثر مستعداً للدخول إلى ذلك المطعم، وسألته:
* ومتى سأباشر العمل؟
قال:
* لو أحببت، الآن.
مضت إلى عملي في المطعم ستة أشهر، كانت كفيلة بأن تُعلمني أن الإدمان يجعل من الإنسان كائناً مشرداً لا قيمة له، بل يجعله عبئاً على المجتمع. مرت الأشهر، وكانت تلك الليلتان كفيلتين بأن تكونا لي عبرة وواعظاً حقيقياً.. أما واعظ الحي، فلم يكن سوى ضفدعٍ ينقنق!