بقلم: محمد حسن
في الجنوب البعيد من خريطة مصر، حيث يضيق الأمل وتشتد الحاجة، وحيث يُولد الصبر مع كل شروق، ظهرت امرأة اختارت أن تمشي في الاتجاه العكسي، لا طلبًا لنجاة شخصية، بل بحثًا عن خلاص جماعي. امرأة لم تكتبها الصحف كثيرًا، لكنها كُتبت بحروفٍ خفية على جدران البيوت التي طرقتها، وعلى ألسنة من دعت لها في الخفاء دون أن تعرف اسمها كاملًا.
هي هناء حسن مصطفى… امرأة لم تخرج من كواليس السياسة، ولا من بوابات المؤسسات الكبرى، بل خرجت من رحم الحياة كما هي، من بيتٍ بسيط، ومن ذاكرةٍ ممتلئة بالشقاء، لكنها لم تستسلم له أبدًا.
منذ بداياتها، لم تنتظر دعمًا ولا تصفيقًا. كانت تسير وسط الحكايات المنسية، تمد يدها بصمت، وتعود من حيث أتت دون أن تترك وراءها غير الأثر. لم تكن يومًا من أصحاب الصور التذكارية أو الكلمات المزخرفة. كل ما تملكه هو قلبٌ نذر نفسه لمن لا صوت لهم، وعينٌ تلتقط ملامح الحرمان قبل أن ينطق صاحبه.
في لحظة فارقة من مشوارها، أطلقت مبادرتها الإنسانية “فرحة اليتامى”، لا من أجل لقب أو واجهة، بل لأنها سمعت نداءً لم يلبّه أحد. لم تؤسس كيانًا شكليًا، بل بثّت فيه من روحها، وجعلته امتدادًا لحياتها. لا تنتظر الأوراق الرسمية لتصدق، ولا تتطلب التوثيق لتتحرك، بل تمضي بما تعرفه من الواقع، وما تشعر به من عمق الغياب لدى من لا سند لهم.
هناء تتحرك بخريطة لا تراها أنت، لكنها تحفظها جيدًا: بيت أرملة مكسورة، غرفة يتيمٍ مريض، باب شيخٍ مُهمل، زاوية صغيرة في قلوب لا تطرقها الجمعيات. لا تحمل أوراق اعتماد، لكنها معروفة في أماكن لا تعرف غير الدعاء، ولا تملك ميزانيات، لكنها تدير قوافل بالعزيمة وحدها.
أثّرت في حياة من لم يحلموا حتى بالمساعدة، لا بالأموال فقط، بل بكرامة تعود، ونظرة رحيمة لم يعتادوها. أعادت تعريف المعونة، فجعلتها أكثر إنسانية وأقل منًّا. لم تكن تتحدث كثيرًا، بل تفعل. لم تُحصِ إنجازاتها، بل كانت تحزن حين تتأخر عنها.
قالتها ذات مرة بصوتٍ منكسر لكنه صادق: في ناس كانت محتاجاني… وما لحقتهمش. هذه العبارة ليست ضعفًا، بل تلخيصًا لحجم قلبها، ولفلسفة عطائها. حزنها الحقيقي ليس في نقص الموارد، بل في أن يتألم أحد وهي غير قادرة على الوصول إليه.
ورغم أن الأضواء حاولت أن تلتفت نحوها ذات عام، لم تتغير. لم تُغَرّ بالأضواء، ولم تسعَ خلف الشهرة. بقيت كما كانت، تنزل إلى الأرض، تدقّ الأبواب، وتترك خلفها لمسة لا تُنسى. لم تركب موجات الإعلام، ولم تنتظر من يصفّق لها، لأنها كانت مشغولة بمن ينتظر منها الدفء.
هناء ليست شخصية دعائية، ولا تصلح لأن تكون ملصقًا في حملة. هي الحقيقة التي يمشي بها الناس دون أن تُقال، هي اليد التي تُمدّ وقت الخوف، والصوت الذي يهمس في الظل: “أنا معاك”.
في زمنٍ صار فيه الخير مؤجَّلًا، والرحمة مؤقتة، والثقة عملة نادرة، بقيت هناء كما هي… تعمل بلا شروط، تُعطي بلا انتظار، وتُجاهد بلا كلل.
لم تكن يومًا نجمة، لأن النجوم مكانها في السماء، أما هي فاختارت أن تبقى في الأرض، حيث وجع الناس، واحتياجهم، وخوفهم، وبكاؤهم الصامت.
هي ليست حكاية عابرة… بل أثرٌ طويل لا يُمحى.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق