كتبت مريم ناجي
وسط السكون الممزوج بالضجيج، هل تساءلت يومًا عن سرّ المطر حين يهمي في الليالي العاصفة؟ ما الذي يُخفيه في تلك الزخات الهادرة التي تبدو كأنها رسائل مشفرة، لا يفك رموزها إلا من أضناهُ السفر في أروقة الروح؟
المطر لا يسقط عبثًا بلا إنه لغة غامضة، مفرداتها خيوطٌ من الماضي وأحلامٌ من المستقبل، ونداءاتٌ تضيع في حاضرٍ متوهجٍ بالأسئلةِ، بينما أنت تقف في منتصف هذا الجنون السماوي، قد تظن أن العاصفة مجرد نزوة للرياح، ولكن ماذا لو كانت أكثر من ذلك! أتتذكر تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى انعكاسك على نافذة مبتلة بالمطر؟ فلم ترَ وجهك وأن ما رأيته كان شيئًا آخر، ظلًا شاحبًا يشبهك ولكنه ليس أنت، شعرت حينها بارتجافةٍ لم يكن سببها البرد، بل من خوفٍ انبثق من مكانٍ دفين، مكانٍ لم تجرؤ على زيارته من قبل، ثم فجأة وسط تلك اللحظات تهاوت السماء وكأنها تريد أن تُعيد ترتيب العالم، المطر لم يكن ماءٌ بل حروفًا من لغةٍ مجهولةٍ، ترسم دوائر متداخلة على الأرض تخبرك بشيءٍ لم تفهمه بعد، تلمحُ في كل قطرة وجه عزيز غاب عنك منذ أمدٍ بعيد، وجهٌ كنت قد أقسمت أنك لن تنساهُ ولكنه أصبح يطل عليك كطيفٍ عابرٍ ثم يتلاشى، يا تُرىٰ ما هو ذاك الصوت؟ صوتٌ خافتٌ أشبه بنبضاتٍ متقطعة قادمة من تحت الأرض، وكأن الأرض تتنفس بصعوبة، وتحمل في أعماقها شيئًا يوشك على الخروج، الرياح التي كانت تهب ملاحقة أفكارك باتت تهمس بأصواتٍ غير مفهومة، تقترب منك وتحيطك تبدو أنها تعرف عنك أكثر مما تعرفه أنت عن نفسك، في تلك اللحظة تُدرك أن العاصفة ليست مجرد ظاهرة طبيعية؛ بل مسرحٌ لكشف الأسرار التي دفنتها بنفسك، أسرارٌ أرادت الأرض والمطر أخرجها من صمتها العميق، تنظر حولك؛ فتجد أن الأرض التي كنتُ تراها مألوفة قد تحولت إلى لوحةٍ خاليةٍ من الحياة التي انسحبت منها بهدوءٍ قاتل، وفي الأفق البعيد يظهر وَميضٌ سيلوري لا يشبه النجوم يتراقص كأنما يُشير إلى مكانٍ بعيد، حيث تكمن الحقيقة التي تهابها، ثم تهمس الرياح مجددًا وتقول: أَتْرفيل وتنطلق الأصداء؛ لتخترق تلك الهمسات التي تحمل أسرارًا لم تفهمها بعد، كلماتٌ من المستقبل معلقة بين الحقيقة والخيال مثل غَيضَة تبتعد ثم تعود؛ لتملأ الفراغ حولك، تخطو نحو نُوفجة مدفوعٌ بشيءٍ أقوى من الخوف، هنا فقط تدرك أن العاصفة ليست إلا البداية، وأن المستقبل كامنٌ في الظلال، ينتظر اللحظة التي ستلتقي فيها بمرآة الزمن؛ لترى وجهًا جديدًا يشبهك ولكنه ليس أنت، وبعد كل هذا بات كلَّ شيءٍ بلا لون.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى