همسات القمر
كتبت : مريم جمال
الليل ينسكب كأساً من الصمت على الأرض، وأنا أرتشف الوحدة جرعةً بعد جرعة. الهواء البارد يداعب وجهي برقة، كأنه يهمس بأن الدنيا ما زالت تنبض بالحياة، رغم كل الندوب التي تشقّ جبينها. أتساءل: هل يسمعني القمر إذا ما حدثته بأحلامي؟ أم أنه منهمكٌ في ترتيب شظايا النجوم المنكسرة؟
الذكريات تأتي كنسيم خفيف، تتماوج بين العذوبة والمرارة. أتذكر وجوهاً رحلت قبل أن تودع، وأصواتاً تحولت إلى ظلال في ألبوم الزمن. كلٌّ منا يحمل في داخله مقابر صغيرة لأشياء ماتت قبل أوانها: حبٌ ذبل، أملٌ انكسر، ولحظاتٌ كان يمكن أن تصير جنّة لو لم نهملها.
الوحدة ليست فراغاً من الآخرين، بل هي امتلاءٌ بالذات. في العزلة نسمع أصواتنا الداخلية بوضوحٍ يخيفنا أحياناً. نكتشف أجزاءً منّا كنا نخشى مواجهتها، ونعلم أننا لسنا سوى أوراق تتساقط من شجرة الوجود، بعضها يحلق بعيداً، وبعضها يسقط قريباً ليبقى تحت الأقدام.
الحياة تشبه كتاباً مفتوحاً على صفحةٍ لا نعرف عنوانها. نقرأ السطور بتوجس، خائفين من أن نصل إلى كلمة “النهاية” فجأة. لكننا ننسى أن الجمال ليس في الخاتمة، بل في متعة تقليب الصفحات، في تذوق كل حرف وكأنه عالمٌ قائم بذاته.
القمر اليوم بدا لي كحارس الأسرار، يعرف كل شيء ولا يفشي شيئاً. أتمنى لو أستطيع أن مثله: أشرق من بعيد، أرى العالم بكل جروحه وجماله، ولا أتدخل إلا بضوءٍ هادئ لا يؤذي. لكنني لست سوى إنسان، أحمل قلباً ينزف كلمات، وعقلاً يحاول فك شيفرة هذا الوجود المعقد.
في النهاية، ليس المهم كم القصص التي نجمعها، بل ما تتركه تلك القصص فينا. سنظل نسير في الدرب، نتعثر، نقوم، ونضحك بين الدموع. لأن الحياة ليست وجهاً واحداً، بل هي كل الوجوه التي نراها في المرايا، وكل الظلال التي ترفض أن تنتهي.
وبين هذا كله، يبقى القمر شاهداً على أننا – رغم كل شيء – ما زلنا بشراً






ماشاء الله تبارك الله ربنا يبارك فيكى يا بنت الغالي ويحفظك من كل سوء اللهم امين