بقلم/ خالد محمد شعبان
تخيل أنك وضعت أرنباً على جهاز ركض رياضي (مشاية)، ووضعت في نهايته جزرة طازجة؛ سيبدأ الأرنب بالركض بأقصى سرعته وصولاً نحو الجزرة، وفي تلك اللحظة تُشغّل المشاية بسرعة متناسبة تماماً مع سرعته.
من زاوية رؤية الأرنب، الجزرة قريبة جداً وهو يبذل قصارى جهده لقطع المسافة؛ لكنه عملياً يركض في مكانه، ويبذل طاقة هائلة دون أن يحقق أي تقدم حقيقي، ويستمر على هذا الحال حتى يستنزف قواه تماماً وينهار.
هذا المشهدُ يُجسّد بدقة ما يحدث للعديد منا دون دراية؛ حيث نجد أنفسنا منهكين ومضغوطين طوال الوقت، لأننا ببساطة نركض على “مشاية” القرارات السريعة والحلول الترقيعية.
أولاً: كيف يقع العقل في فخ “الاختصار الزائف”؟
تكيّف عقل الإنسان على مر الزمن ليعمل بكفاءة عبر توفير الجهد والوقت والتكلفة، إذ يبحث الدماغ دائماً عن اختصارات ذكية للتعامل مع المهام اليومية، وهذه الآلية ممتازة لإنجاز الأمور الروتينية.
لكن الفخ يحدث عندما نخلط بين “الاختصار الذكي الذي يحل المشكلة” و**”الهروب السريع الذي يُؤجل المشكلة ويزيدها تعقيداً”**.
فعلى الصعيد اليومي، عندما تكون جائعاً وتواجه خيار الوقوف لطهو وجبة متوازنة، يميل الدماغ فوراً لتوفير الطاقة عبر اقتراح خيارات لائذة بالحلول السريعة والسهلة. ولا بأس بالتأكيد باللجوء للحلول السريعة أو طلب الطعام الجاهز في أوقات الانشغال كاختصار عملي وذكي للوقت.
ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد على الحلول السريعة كالاقتصار على السكريات أو المقليات غير المغذية إلى نمط حياة دائم؛ هنا توفر الراحة اللحظية، لكنك على المدى البعيد تتلقى سوء تغذية وتدهوراً في الطاقة وسمنة، لتجد أنك هربت من عناء الطهو ساعةً لمواجهة مشكلات صحية ممتدة.
ثانياً: المعضلة في بيئة العمل والعلاقات
يمتد نمط “جزرة المشاية” إلى سلوكيات التجنب النفسي؛ ففي العمل مثلاً عند حدوث خطأ إجرائي أو مشكلة مع عميل، يحتاج الموقف لمواجهة حاسمة وإبلاغ الإدارة، لكن رغبة الموظف في تجنب قلق المواجهة اللحظي تدفعه لتقديم “أنصاف حلول” سريعة وتغطية الإشكال.
هذه الحلول تعطيك إحساساً مؤقتاً بالوصول للجزرة (الراحة وتجنب اللوم الآن)، لكن المشكلة الأصلية تظل قائمة وتتفاقم في الخفاء. وحين تنكشف لاحقاً، يقع الموظف تحت طائلة مسؤولية أكبر بكثير، فضلاً عن النزيف النفسي الذي تحمّله طوال فترة التغطية والتأجيل.
ثالثاً: كيف تكتشف أنك على “مشاية” القرارات وتتدارك الموقف؟
لكي لا تكون كالأرنب الذي يستنزف طاقته نحو هدف وهمي، يمكنك تقييم قراراتك واختياراتك اليومية عبر طرح الأسئلة الثلاثة التالية:
1. هل هذا القرار يحل المشكلة نهائياً، أم يمنحني راحة مؤقتة تضمن عودتها بشكل أكبر لاحقاً؟
2. هل اختصاري للوقت والجهد يمنحني مساحة لإنجاز الأهم (كفاءة)، أم أنه مجرد مجاملة لكسلي وتجنبي للمواجهة (هروب)؟
3. هل أنا مستعد لرباطة الجأش وتحمّل كلفة المواجهة أو الجهد الآن، لتوفير أضعافها من المعاناة مستقبلاً؟
خاتمة ورسالة:
تحمّل جهد طهو وجبة صحية واحدة، أو مرارة التحدث مع مسؤول في عملك لمدة خمس دقائق، قد يبدو مزعجاً في لحظته لكنه يوقف المشاية فوراً.
حيث إن مواجهة مشكلة واحدة في وقتها بشجاعة خيرٌ بكثير من الركض اللانهائي خلف جزر وهمي يتركك منهكاً أمام تراكمات لا حصر لها.






المزيد
حين تُظلم اللغة العربية
الكتب التي تغيّرنا… لا التي نقرأها فقط
لغة الجسد الخفية للألم النفسي