بقلم/ وهيبة جمال عبدالكريم
ليست كل الهزائم تُقاس بخسارة وظيفة أو عثرة في مسار، فبعضها يكشف خللاً أعمق يمتد أثره البالغ إلى مستقبل أجيال بأكملها. وحين يتعلق الأمر باللغة العربية، فإن القضية لا تعود شأناً فردياً أو رغبة شخصية، بل تصبح قضية هوية، وثقافة، ورسالة أمة.
سنوات طويلة قضيتها بين أروقة النحو والصرف والبلاغة وفقه اللغة؛ لا لأن ذلك كان مجرد متطلب جامعي للحصول على مؤهل، بل لأنني كنت أرى في العربية وطناً يسكنني قبل أن أسكنه. كنت أتعلم قواعدها بشغفٍ وشوق، وأحلم أن أقف يومًا أمام تلاميذ أزرع فيهم حبها قبل أن ألقنهم قوانينها، وأن أساهم في تخريج أجيال تتحدث لغة سليمة، وتكتبها بثقة، وتدرك أن سلامة اللسان ليست ترفاً فكرياً، بل عنوان وعي ورقي وثقافة.
لكنني، بعد اجتياز مسابقة التوظيف، وجدت نفسي أمام سؤال أكبر وأقسى من النتيجة نفسها: هل أصبحت الكفاءة آخر ما يُنظر إليه عند اختيار من سيحمل رسالة تعليم اللغة العربية؟
معايير الشكل على حساب الجوهر
لقد مُنحت الأولوية لمعايير شكلية مثل أقدمية الشهادة، وسنوات الخبرة الموثقة، وسن المتقدم؛ وهي معايير قد تكون ذات قيمة في سياقات إدارية معينة، لكنها لا ينبغي بحال أن تطغى على معيار الجدارة العلمية والتمكن الحقيقي والقدرة الفذة على التعليم.
والأكثر إثارة للتساؤل والحسرة أن الامتحان الشفهي – وهو المحطة الوحيدة القادرة على كشف شخصية الأستاذ، وتمكنه اللغوي المباشر، وحسن أدائه، وقدرته على التواصل والإقناع – لم يحظ إلا بتنقيط محدود لا يكاد يؤثر في النتيجة النهائية.
فكيف نطمئن إلى مستوى تعليم اللغة العربية إذا كانت فرصة إثبات الكفاءة الحقيقية تكاد تكون هامشية؟ وكيف نطالب أبناءنا بإتقان لغة الضاد، ونحن لا نمنحها، عند اختيار معلميها، المكانة التي تستحقها؟
المعلم حامل رسالة لا مجرد موظف
إن اللغة العربية لا تحتاج إلى مجرد حامل شهادة ورقيه، بل إلى حامل رسالة؛ معلم يحملها في قلبه وعقله ولسانه، يغار عليها إذا أُخطئ فيها، ويفرح حين ينطق بها طفل نطقاً سليمًا، ويؤمن أن تعليمها رسالة سامية تتجاوز حدود الوظيفة والراتب.
إن الدفاع عن اللغة العربية لا يكون بالخطب التعبوية وحدها، ولا بالشعارات التي تتكرر في المناسبات الرسمية، بل يبدأ من حسن ودقة اختيار من يتولى تعليمها وغرسها في النفوس. فالمعلم الكفء ليس مكسبًا لشخصه أو ذاته، وإنما هو استثمار حقيقي في أجيال كاملة.
خاتمة ورسالة:
إن الأوطان لا تنهض بكثرة الشهادات المرصوفة وحدها، ولا بطول سنوات الانتظار، بل بمن يمتلك العلم، والقدرة على نقله، والشغف الصادق برسالته.
وحين تتراجع الكفاءة الشغوفة إلى الصفوف الخلفية، فإن الخاسر الحقيقي ليس المترشح المظلوم، بل المدرسة، واللغة العربية، وكل تلميذ كان يستحق أن يتعلم على يد معلم جدير بحمل هذه الرسالة.
فالعدالة في مسابقات التوظيف ليست مجرد إنصاف للمترشحين، بل هي استثمار حاسم في مستقبل التعليم، وضمانة أساسية لحماية لغة كانت، وستبقى، جزءاً أصيلاً من هوية هذه الأمة.






المزيد
من قلب التحدي يولد التميز
آفاق التغيير وبدايات الأمل
حين يتحوّل الإعلام من «سلطة وعي» إلى «تجارة تفاهة»