مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هل أنا من فعل ذلك حقًا؟

بقلم/ يحيى القطب 

الإنسان ليس لحظةً عابرة، ولا فعلًا منفصلًا يُنتزع من سياقه ليُحاكَم به وحده، بل هو تاريخ طويل من الجينات والخبرات والتجارب المتراكمة. وما نراه من سلوك في لحظة ما، ليس بداية القصة، بل نتيجتها. إن اختزال الإنسان في زلّة، أو موقف، أو اختيار واحد، هو تبسيط مخلّ لا يُنصف الواقع ولا النفس البشرية.
فالإنسان حصيلة تراكم؛ تراكم ما وُرِّث، وما اكتُسب، وما فُهِم، وما أُسيءَ فهمه. الجينات التي يحملها ليست حكمًا نهائيًا، لكنها استعدادات أولية: قابلية للصبر أو الغضب، للطمأنينة أو القلق، للإيمان أو الشك. هذه الاستعدادات لا تعمل وحدها، بل تدخل في حوار دائم مع البيئة والتجربة والمعنى.
الخبرة، بدورها، لا تقل أثرًا عن الجينات. التجارب التي يمرّ بها الإنسان، منذ طفولته، تعيد تشكيل نظرته إلى العالم، وتؤثر في فهمه للخير والشر، والحق والباطل. تجربة قاسية قد تُنضج، وأخرى قد تُقسّي، وثالثة قد تُربك المعنى كله. وما بين الجينات والخبرة، يتكوّن الإطار النفسي الذي تتحرك داخله الاختيارات.
من هنا، لا يمكن فهم استجابة الدعاء بوصفها لحظة منفصلة عن هذا المسار الطويل. حين يُستجاب دعاء أحدهم، فذلك لا يكون وليد لحظة طارئة، بل ثمرة مسار ممتد. ربما أُكرم لأجل سوابق أفعاله، أو لما استقر في نفسه من صدق وإخلاص، وربما امتدت إليه بركة أسلافٍ أحسنوا، فكان أثر الخير متعديًا عبر الزمن.
وهنا تبرز حقيقة مهمّة: الصلاح والفساد لا يُورَّثان على نحوٍ حتمي. قد يخرج الفاسد من ظهر عالم، ويخرج الكافر من صلب نبي، ويخرج الرسول من بيئة غارقة في الفجور والكفر. ليس لأن الجينات فرضت النتيجة، بل لأن الإنسان أعاد تفسير ما ورثه داخل بنيته النفسية والروحية. الجينات تشرح الاستعداد، لكنها لا تفرض المصير.
قد يحمل إنسان في داخله قابلية للفجور، لكنه يمتلك مخططًا نفسيًا يتجه إلى الصلاح، فتُنبت نفسه طيبة رغم ما تحمله في خفاياها من استعدادات معاكسة. وقد يرث آخر عناصر خير، لكنه يعجز عن تفعيلها، فينحاز إلى ما خفي من ظلمة داخله. وهنا يظهر الفرق بين من ورث الخير ففعّله فاهتدى، ومن ورث القابلية وتركها بلا تقويم فانحرف.
حتى اختياراتنا الكبرى — من إيمانٍ وكفر، وصلاحٍ وطلاح، وبرٍّ وفجور — لا تُصنع في لحظة غواية، ولا تولد من فتنة قريبة. هي مسارات طويلة، تتشكّل عبر تراكمات صامتة، وانزياحات صغيرة في المعنى، وتنازلات متدرجة، حتى يصل الإنسان إلى نقطة يبدو فيها الخيار فجائيًا، وهو في الحقيقة نتيجة منطقية لما سبق.
ولهذا، فإن السقوط الأخلاقي لا يُفهم على أنه حادث عارض، كما أن الهداية لا تُفهم على أنها ومضة عشوائية. كلاهما حصاد. لحظة الحصاد قد تكون دعاءً مستجابًا، أو انكسارًا مدويًا، أو تحولًا حاسمًا في المسار، لكنها ليست البداية، بل النهاية المؤقتة لمسار طويل خفي.
في هذا الفهم، تتّضح العدالة الإلهية والإنسانية معًا. فالإنسان لا يُحاسَب على ما وُرِّث، بل على ما فعّل. لا يُسأل عن الجينات التي لم يخترها، بل عن الاتجاه الذي سلكه بها. ولا يُقاس بقرابته ولا بنسبه، بل بعمله وخياره ومسؤوليته.
إن أخطر ما نفعله حين نحاكم الناس هو أن ننتزعهم من تاريخهم، ونضعهم في قفص اللحظة. فالإنسان، في حقيقته، أعمق من ذلك بكثير. هو قصة ممتدة، لا تُقرأ من صفحة واحدة، ولا تُفهم من مشهد عابر.
وحين ندرك هذا، نكفّ عن الدهشة الساذجة من النتائج، ونبدأ في فهم المسارات. فليس كل ما يظهر فجأة كان وليد فجأة، وليس كل ما نحكم عليه اليوم قد وُلد اليوم. بعض الأشياء كانت تنمو في الداخل منذ زمن… بصمت.