مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

هشاشة الوضع في السودان قراءة عامة (1)

كتب: محمد صالح

 

تعتبر الهشاشة من المفاهيم الاجتماعية الحديثة التي تعبر عن مقياس التراجع في المجتمع، وهو مقياس تنموي بحت يركز على متابعة التقدم في مناحي الحياة الاجتماعية لوضع اجتماعي محدد، وما دفعني لأكتب عن هشاشة الوضع في السودان كقراءة عامة، أي ليس بحثًا دقيقًا، وإنما نظرة شاملة تصلح لتكون مؤشرًا يلفت النظر، وينبه إلى مستوى الهشاشة الذي وصل إليه الوضع الاجتماعي في السودان، وهو يعكس التردي الذي وصلنا له، ويشير للاحتياج الفعلي للبداية والنهضة من جديد، وهو ما يدخلنا في التفكير في الإصلاح، وهو دافع أيضًا للتفكير الجاد للتوقف عما نمارسه حَالِيًّا، لأنه يزيد من هذه الهشاشة، ويخصم ليس من رصيد التقدم الاجتماعي فحسب، لكنه ينحو منحى آخر لنوع من التدهور والتأخر، والذات يشيران بوضوح لمسائل مهمة تجرها هذه الهشاشة، وهي التعرض للخطر، وقابليته، وزيادة خطورة الأوضاع، والحوجة الكبيرة للاستعادة، والفاتورة الكبيرة التي تكلفها، ما يعني الكثير، دعونا ننظر لتفاصيل الهشاشة في الوضع الراهن.

هشاشة سياسية وتنظيمية:

حيث تتمثل هذه السياسة في ضعف المكونات السياسية بصورة عامة، وتكدسها وضعف تحديثها، وضعف مجلس تنظيم الأحذاب في وضع قواعد وقوانين صارمة ومحايدة، تنتج أحزاب وتنظيمات سياسية ناضجة، تستطيع تطوير الحياة الاجتماعية، وتكون قادرة على تلبية متطلبات الحياة الحالية، وقادرة على تقديم مشاريع تسهم في التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتواكب الحداثة والتقدم، وقادرة على تأسيس نظام حكم صالح ورشيد، يكون قادرًا على انتشال البلد من وهدتها، وجعلها بتخطيط إستراتيجي في مصاف الدول المتقدمة، وفق تخطيط مدروس، عطفًا على تأسيسه لقيم ومبادئ وطنية راسخة يجمع عليها الكل، لتكون ثوابت وطنية، ينظر ويقيم من خلالها ويقرر تسجيل أي حزب أو منظومة اجتماعية، والتي تراعى التركيب الديمغرافي والسكاني والتعدد الاثنين والقبلي والطائفي على أساس التنوع، ووضع هذه الأسس الثابتة يؤدي إلى استقرار سياسي، مع إلزام أي منظومة بفتح العضوية للمواطنين السودانيين بلا استثناء، واحترام والفصل في القضايا ذات الصلة بالحرمان من العضوية بدعاوى عنصرية وغيرها، حتى تكون كل الأحزاب والتنظيمات ذات ممارسة رشيدة وعادلة ومنصفة، هذا إضافة لوضع دساتير خاصة بكل حزب ومراجعتها ومطابقتها لتنسجم مع التوجهات العامة، والثوابت الوطنية.

هنالك هشاشة على مستوى الممارسة، مما أفرز ما يعرف بلجان المقاومة، وهذه اللجان ما هي إلا قيادة شبابية فقدت الأمل في صلاح الأحزاب والتنظيمات في تقديم حلول مواكبة وناجعة، وهذا يبرر في نظري فشل هذه الأحزاب في قيادة دفة السياسة بطريقة قوية وزكية، والعمل على التمترس في ذات الوقت والتقوقع والتمسك بالسمعة التأريخية، عقد الوضع السياسي وجعله ينحدر إلى التقهقر والتراجع، مما جعله يزيد في الهشاشة كل يوم، والدليل صعوبة التوافق على أهداف محددة، رغم الخبرة الطويلة في الممارسة، زيادة على حدوث الكثير من المتغيرات الداخلية والخارجية، التي لم نحسب لها حسابا، بالإضافة لعدم وضع الاعتبار للواقعية السياسية والاجتماعية التي فرضت أوضاعا مختلفة ومتعددة، وضعف وجود دراسة من المعاهد والجامعات ذات الصلة، بالدراسات والعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلد، أو فعاليتها في التأثير والمشاركة والاتصال.

في هذا السياق أيضًا هشاشة الوضع المتعلق بوجود دستور دائم، وقانون للنظام العام، يوجه الحركة الاجتماعية، وتنظيم التفاعل الاجتماعي بطريقة تخدم أغراض الدولة في الاستقرار والتقدم، بالإضافة لضعف التوجه نحو تأسيس المحكمة الدستورية والنيابة العامة، ودرجة حيادية القضاء وزيادته، ما يسهم في وضع الدولة في واقع مؤسسي قويم وبناء، يتبعه مجلسا تشريعيا قوميا، قوي يستطيع بلورة القضايا ومناقشتها، ليمكن الدولة من العبور الحقيقي.

هشاشة أمنية:

ترى عددا من الحركات المسلحة يزيد وينتشر، وليس هناك دراسة وتفكير في كيفية وقف هذه الهشاشة الأمنية ومعرفة أسبابها، ومعالجة جذورها، كما أن هناك جيوشا ومليشيات تراها تقوم بطريقة مؤسسة والوضع والهشاشة في هذا الجانب نراها تسمح بالمزيد، حيث كل مجموعة اجتماعية أو سياسية أصبحت ترى لزام تكوين قوة عسكرية تساند رأيها. وهذا نذير للتعرض للخطورة ويدفع في اتجاه سالبا يوردنا موارد الضعف والهلاك.

هشاشة اجتماعية:

انتشار المخدرات، الدعارة، الشذوذ، التراجع الاجتماعي عن المبادئ والثوابت والقيم الموروثة، التغيير السالب، الاهتمام بالجانب المادي على حساب كل شيء، اختلال توازن بعض القيم كالتكاتف والتعاون والتواصل، ظهور بعض الجماعات الدينية المتطرفة، وزيادة التطرف الديني، استشراء الفساد وضعف الوازع الديني، انتشار العنوسة، وزيادة الأطفال مجهولي الأبوين، ضعف واختلال المنظومة الاجتماعية، استفحال الفكر الرأسمالي وممارسة الفساد الأخلاقي كالرشا والمحسوبية وغيرها، وممارسة الاحتكار في التجارة والمعاملات، رغم موجة المجتمع الملح بهدف الربح، زيادة الفقر، وزيادة الأمراض، وإسقاط ذلك على ضعف الإنتاج.

هشاشة البنية التحتية:

الطرق، الزراعة، الصناعة، التسويق والتجارة، والاستثمار، ضعف وجود دراسات الجدوى البيئية للمشروعات، وضعف التخطيط والسياسات، والخرائط المساحية التي تسهل من الدخول في الاستثمار الواعد، وهشاشة البنيات القانونية اللازمة لتوفير فرص استثمارية وتجارية تنسجم مع البنية التحتية الأخرى، ضعف الرقابة والبنية التحتية للتعليم والصحة، والكهرباء جعل كل هذه المصادر تؤثر في جذب الاستثمار الحقيقي، وتزيد من فرص إضعاف المكونات الهيكلية للدولة، وتسمح بالمشروعات المضرة بالبيئة.

الهشاشة الثقافية والفكرية:

تمثل الثقافة والفكر القيمة العليا للإنسان، وتراجع الاهتمام بالفكر والثقافة يشير لضعف الهوية، والإنتاج المعرفي، ويشير أكثر إلى ضعف القدرات المحفزة لحل والإبداع في تطوير الأوضاع، ويشير أكثر ضعف الاهتمام والركود الثقافي إلى هشاشة الفكر والاهتمام الثقافي إلى التخلف والتراجع وإحترار الماضي، وبالتالي يكون المجتمع موعود بظاهرة الدوار التأريخي التي عبر، عنها بن خلدون، وهي أن يكون المجتمع مستهلك كبير، ثم يتراجع أكثر فيعمل على تدوير النفايات القديمة، ويحاول يلبسها نوع من التنمق الجديد وبعض تفاصيلها الشكلية التي توحي بحداثتها، لكنها قديمة ولا تصلح لتقدم المجتمع، وهذه خطورة تزيد من الهشاشة نفسها، وتنشر بنتاج اجتماعي غير، منتج وضعيف، ويسهل التحكم فيه.

 

أما أنواع الهشاشة الأخرى فهي تتبع المكونات أعلاه، أتمني أن أكون قد أصبت فيما كتبت.