حين تصبح الوحدة نجاة
بقلم ابن الصعيد الهواري
في لحظةٍ ما من العمر، يكتشف الإنسان أن كثرة الوجوه حوله لا تعني الأمان، وأن الأصوات التي كانت تملأ أيامه بالوعود قد تختفي فجأة دون سببٍ واضح. يتعلّم مع الوقت أن بعض القلوب تأتي فقط لتأخذ مكانًا في الحكاية، لا لتبقى حتى النهاية. وأن التعلّق الزائد بمن حولنا قد يجعل السقوط أشد قسوة حين ينكشف الزيف المختبئ خلف الكلمات الجميلة.
فليس كل من اقترب كان صادقًا، وليس كل من قال “أنا معك” كان مستعدًا فعلًا للبقاء وقت الانكسار. هناك أشخاص يجيدون الحديث عن الوفاء، لكنهم أول من يرحل حين تصبح الأيام ثقيلة، وأول من يختفي حين تحتاج إليهم بصدق. لذلك يصبح الاعتماد على النفس قوة، لا قسوة… ووعيًا، لا غرورًا.
أن تكون قادرًا على السير وحدك لا يعني أنك لا تحتاج أحدًا، بل يعني أنك تعلّمت كيف تحمي قلبك من الخذلان المتكرر، وكيف تبقى ثابتًا حتى لو خذلك الجميع. فالحياة لا تمنحنا دائمًا من يشبه إخلاصنا، ولا تعيد لنا بنفس القدر الذي نعطيه، لكنها تعلّمنا درسًا مهمًا: أن بعض الناس مجرد مرحلة، وليسوا وطنًا دائمًا.
ومع كل خيبة، تنضج الروح أكثر، وتصبح البصيرة أوضح، فيبدأ الإنسان برؤية الحقيقة كما هي، لا كما كان يتمنى أن تكون. يدرك أن الكلمات وحدها لا تكفي، وأن المواقف فقط هي التي تكشف معدن البشر. وحين ينير الله بصيرة الإنسان، يرى بوضوح من كان صادقًا في قربه، ومن كان مجرد عابرٍ يتخفّى خلف الاهتمام.
وفي النهاية، يبقى الإنسان محتاجًا إلى قلبٍ صادق أكثر من حاجته إلى ألف شخصٍ يتحدثون كثيرًا ولا يفعلون شيئًا. فالحياة أقصر من أن نضيّعها خلف الوعود الكاذبة، وأثمن من أن نرهن قلوبنا لمن لا يعرف قيمة الوفاء.
“الحكمة”
“خليك جاهز تمشي الوحدك في اي وقت
عشان مش كل الي هيقولك انا معاك
هيفضل معاك وربنا ينور بصيرة كل حد مخدوع في كل الي حوليه
الله غالب”






المزيد
حين يمرض الضوء بقلم فلاح كريم أحمد
الحياة بتمشي بين فرحة وأحزان بقلم اماني منتصر السيد
من وجع التجربة إلى نضج الفهم بقلم ابن الصعيد الهواري من وجع التجربة إلى نضج الفهم