مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نَشيجُ ذِكرى

كتبت: نور إبراهيم

 

 

في كنفِ ذلك الفناء الذي يسودَه الدُجَّى ويلاحقه تعاسةُ الماضي فُني عمر فتاة في مُقتبل العشرينات فتاةٌ تركض بين دروبِ الحياة وخلفها شياطين الحاضر وجنود الماضي؛ تركض بترجلٍ حتى تتعثر وتدمي بشدةٍ إثر هذا، تركضُ وتطلق العنان؛ لدموعِ أعينها بكل ضعفٍ كي تتساقط، وانهيارات عقلها لم تتوقف عن ملاحقتِها ولم تجد ما تفعلُه سوى الهروب من جراحِها في روايةٍ خياليةٍ صنعتها؛ لذاتها بَطلها أصمٌ لا يعرف من لغةِ الإشارة شيئًا كي يرشدها، فهي فقط تريد أن تهرب من تلك العيون التي تحدق بها بكلِ شماتةٍ قائلة لها بكل قسوةٍ ” الكل يتألم و ما أنتِ إلا كثيرة الشكوى، فأنتِ الجاني في جريمة نفسكِ تطهري من حنثكِ أيتها المذنِبة ” حينها أَشفقتُ على تلك العشرينية التي لم تنل الإنصاف من عيون الآخرين، كما لم تنَلها من الحياةِ أيضًا حينها وَبختُها برفقٍ؛ كي تعودَ إلى قوتها التي انهارت سدودَها، فتلكَ العشرينية هى أنا، نعم أنا من انهارت كل قواي وأصبحتُ مرصعةٌ بالندوبِ رُغم صغري؛ فأنا أُقدِّم إعترافي إلى الحياة التي أبغضُها بشدةٍ وأقول لها في صرخاتٍ كادت أن تشقُ صدري الهَلوع : نعم أنا أتألم، أتألم حين أبوحُ فالكلماتُ تذبحني، وأتألم حين أصمتُ؛ فالصمتُ قاتلٌ لروحي، أتألمُ كوردةٍ قُطفت من بستانها و تركَها قاطفها اللعين تذبُل، أتألم كحمامةٍ تُرسل مراسيل الحبِّ وذبحت بلا ذنبٍ في وغي شوق العاشقين، أتألم كمذنبةٍ رُجمت بلا رحمةٍ، أتألم حين أتذكر الماضي و كأن ذكرياته مِلحٌ على جروحي يُشعِلها ” أعلم أن رُغم كل هذا لم أنل الشفقة من الحياة ولن تكُّف عن إدماء جراحٍ جديدة؛ فأنا مدركةٌ أن مُعضِلة العشرينات تكمُن في فضِّ النزاع الدائم مع الحياة؛ لإرضاء الذات ورُغم ذلكَ، فأنا مازلتُ أتأرجَح بين أفكاري الكثيرة والمتناقضة، ومازال الماضي يحاصِرني بذكرياته والحاضر بأحداثه والمستقبل بأفكاره المشوبة مازال قلبي مَذعور، وأنفاسي متهدِّجة، ويداي مرتعشتين، وملامحي أصبحت هزيلة، ومثيرة لشفقةِ الشامتين وأنا من بين كل هذا أرردُ كالبلهاء ” أنني لا أبالي ” فأنا كاذبةٌ وأريد أن أبكي كثيرًا على كل هذا، أريد أن أبكي وأجهَش؛ حتى أتمخضُ ألمًا، فقط دعوني أبكي حتى يزولُ بصري وحينها لم أرى تلكَ العيون الشامتة التي تسترقُ النظرات من حولي؛ لكني حقًا لم أعد أبالي بكلِ الأيادي التي أفلتتني في لحظاتِ ضعفي، فأنا لم أَعد أريد زراعين حانيتين تَضمُني فكل الذي أريده أن أبكي، فأنا لستُ كما تَنعتُونَني بأنني متبلدة المشاعر فأنا تلك العشرينية التي يئِست من الحياة ولم تجِد حلولاً سوى دروبِ الإنتحار؛ كي تسلكها رُبما حينما تُدمي الدماء وتفنى سَتفنى معها الذكريات المدنَّسة، ذكرياتٌ فشلت ذاكرة الماضي في نسيانها، وفشل حاضري في تقبلها ذكريات يوم ولادتي المشؤومة؛ حينما أخبروا أمي أنني فتاة حينها لم تَصدر أي إبتسامة تُذكَر؛ لأنها تريد صبيًا وهنا متُّ للمرة الأولى ويوم هُجران صديقي حينما أخبرني ” أنني لا أحب أحدًا سوى ذاتي ” ومتُّ للمرة الثانية ويوم نتيجة الثانوية العامة، حينما وجدتُ رقمًا لم يتخيله عقلي، حينها وقفَ الوقت ولم تمر الدقائق وتصلَّبت عقاربُ الساعة في موضعها لوهلة؛ كي يمر شريط فناءُ الأحلام أمامي و هنا متُّ للمرة الثالثة، بلا أجزمُ أنني متُّ مراتٍ متعددة أجهل عددُها، وأم العجز ونوبات الهلع التي تطاردني ليلاً وكأن ملك الموت يزورني؛ ليخبرني بأنها النهاية، لكنها لم تكن النهاية الأبدية.

 فقط دَعوني أُنعي نفسي وأبكي كثيرًا على جراحي التي لم تَندمِل وعلى تلك الزهرة العشرينية التي ذَبلت حتى مُحي رحيقها.