بقلم: خالد محمد شعبان
لا ينتمون لأحد، ولا يلتفت إليهم الآخرون، ولا يعبأ بوجودهم الناس؛ يصرّون على إثبات أنهم بخير أمام الجميع، بينما ينهش الخوف والقلق قلوبهم من الداخل شيئاً فشيئاً. لا شيء ينقذهم من هذا الافتراس حتى يُنهي المفترس وجبته، تاركاً أفئدتهم خاوية وعقولهم في حالة من الهياج والاضطراب.
لا يغادر هذا الإحساس صدورهم أبداً ولا ينزوي، وكلما خبت ناره ظنوا أن المفترس قد شبع وتركم، ليعود من جديد ويهاجم أرواحهم كفريسة ضعيفة اختُطفت من وسط سربها، ولم يعد بمقدورهم إلا مشاهدتها تُلتهم وتفنى أمام أعينهم.
من أشد الأوجاع أن تتألم ويعتصر قلبك بالكمد وأنت تعلم أنه لا مفر منه، ولا فكاك ولا وسيلة حتى لتخفيف وطأته، بل إن خيار الموت نفسه يبدو غير متاح؛ فالقلق لا يرحم صاحبه حين يضطرب، بل ينغص عليه حياته وصحته وأوقات فراغه وعمله، حتى يحيله إلى شبح إنسان، بجسد على قيد الحياة وروح ميتة.
إنه ألمٌ يحيل دفء العائلة إلى ضجيج قاتل، وأنس الأصدقاء إلى حِمل لا يطاق، ومشاعر الأحباء إلى عقدة ذنب لا تحتمل؛ يحوّل كل ما هو جميل إلى وحش، وكل ما هو آمن إلى خطر، وكل ما هو دافئ إلى صقيع؛ بردٌ لا يضرب الضلوع بل يضرب المشاعر، ولا يجمد الدماغ بل يجمّد الأفكار، حتى تدخل الضحية في عصرها الجليدي، وتصبح رفات كيانٍ إنساني من أطلال الماضي.
لا يدرك لوعة هذا الألم إلا من وُلد وعلة القلق متغلغلة في قلبه وعقله وروحه؛ يرى في كل مباهج الحياة أشواكاً سامة، وتتحول كل خيارات الموت في نظره إلى حلول قاسية كالبتر بعد الإصابة، لكن المبتلى بهذا الداء لا يجرؤ على هذه الحلول؛ لأن سلاسل القلق تشل عقله وقلبه وروحه، وتحيله إلى سجين أبدي لنار تذيبه من الداخل كشمعة تحترق ولا تفنى.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق