مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثاني: الجوع العاطفي
ليس كل من تعلّق…
كان يحب.
أحيانًا،
يكون الإنسان فقط
متعبًا من الوحدة،
مُرهقًا من الشعور بأنه غير مرئي،
وجائعًا إلى درجة
تجعله يتمسك بأول دفءٍ يجده.
وفي الغالب،
لا يبدأ الأمر كحب كبير،
بل كارتياح صغير.
شخص يُنصت جيدًا،
يسأل باهتمام،
يتذكر تفاصيلك،
ويمنحك ذلك الإحساس النادر
أنك لست هامشيًا في حياة أحد.
شيئًا فشيئًا،
تبدأ في انتظاره أكثر مما ينبغي،
ويصبح حضوره مؤثرًا بصورة لا تليق
بمدة معرفتكما.
وهنا،
يختلط الأمر على القلب.
فتظن أنك أحببت،
بينما الحقيقة أحيانًا
أنك فقط
وجدت شخصًا لمس منطقة فارغة بداخلك.
الجوع العاطفي
لا يجعل الإنسان يرى بوضوح،
بل يجعله يبالغ في تقدير
أي شعور يمنحه الطمأنينة.
ولهذا،
قد تتحول كلمة عابرة
إلى تعلق،
واهتمام بسيط
إلى احتياج،
وشخص عادي
إلى نجاة كاملة.
ليس لأنك ضعيف،
بل لأن الأرواح المتعبة
حين تجد شيئًا من الدفء،
تخاف أن تفقده بسرعة.
وهذا ما يجعل بعض الناس
يتعلقون بسرعة مؤذية لهم.
لا لأن العلاقة عميقة فعلًا،
بل لأن الفراغ بداخلهم
كان عميقًا جدًا.
الإنسان الذي حُرم طويلًا
من الاحتواء،
قد يخلط بين:
الحب،
والاهتمام،
والشفقة،
والاعتياد،
والخوف من الوحدة.
وهنا تبدأ العلاقات
في التحول إلى وسيلة هروب،
لا مساحة مشاركة حقيقية.
فيبدو الأمر وكأنه حب،
بينما الحقيقة
أن أحد الطرفين على الأقل
كان يحاول النجاة فقط.
ولهذا،
فإن أكثر العلاقات إنهاكًا،
ليست العلاقات قليلة الحب،
بل العلاقات الممتلئة بالخوف.
الخوف من الغياب،
الخوف من التغير،
الخوف من أن يعود الإنسان
إلى وحدته القديمة مرة أخرى.
ومن هنا،
تبدأ التنازلات الصغيرة.
يصمت الإنسان عن أشياء تؤذيه،
ويبرر تصرفات لا تناسبه،
ويُقنع نفسه أن الاحتمال نوع من النضج،
بينما الحقيقة
أنه فقط
لا يريد أن يُترك.
الجوع العاطفي
قد يجعل الإنسان يقبل
بأقل مما يستحق،
ليس لأنه لا يعرف قيمته،
بل لأنه يخاف
أن يعود للشعور القديم:
أن لا أحد يريده فعلًا.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
حين تصبح العلاقة
ليست اختيارًا حرًا،
بل محاولة مستمرة
لسد فراغ داخلي.
فالإنسان الذي لا يعرف
كيف يطمئن وحده،
قد يطلب من الآخرين
ما لا يستطيع بشر منحه بالكامل.
ولهذا،
فإن النضج العاطفي
لا يعني أن تتوقف عن الاحتياج،
فالقلوب خُلقت لتُحب،
وتأنس،
وتطمئن.
لكن الفرق الكبير،
بين قلب يعرف احتياجه،
وقلب يتحكم فيه احتياجه.
الأول…
يحب بوعي،
ويقترب دون أن يفقد نفسه.
أما الثاني،
فيتعلق،
ويذوب،
ويخاف،
ثم يُرهق نفسه والآخرين معه،
وهو يظن أن ذلك هو الحب.
الحب الحقيقي
لا يجعلك أقل من نفسك،
ولا يدفعك للتنازل عن كرامتك،
ولا يحولك إلى شخص يعيش
على فتات الاهتمام.
فالقلوب السوية،
لا تبحث عمن يملأ فراغها بالكامل،
بل عمن يشاركها الحياة
دون أن تضيع نفسها فيه.
وربما لهذا،
فإن أكثر الناس اتزانًا في الحب،
ليسوا الأقل احتياجًا،
بل الأكثر سلامًا مع أنفسهم.
رسالة الفصل:
الاحتياج العاطفي غير المفهوم قد يجعل الإنسان يتعلق بمن يمنحه الشعور، لا بمن يناسبه حقًا.
تمهيد الفصل القادم:
لكن الإنسان لا يريد دائمًا الحب فقط…
أحيانًا،
كل ما يتمناه فعلًا
أن يشعر أنه مرئي وسط هذا العالم.