من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى
الفصل العاشر: حين لا يكون الوصول كافيًا
طوال حياتنا تقريبًا…
نعيش مقتنعين أن المشكلة
في شيء لم نصل إليه بعد.
نعتقد أن التعب سببه
المكان الذي نقف فيه الآن.
وأن الراحة تنتظرنا
في مكان آخر.
هناك دائمًا محطة قادمة
نعلّق عليها آمالنا.
وظيفة أفضل.
راتب أكبر.
بيت أوسع.
علاقة أكثر استقرارًا.
فرصة جديدة.
نجاح مختلف.
وكأن الحياة كلها
مؤجلة إلى إشعار آخر.
نعيش على وعدٍ داخلي
يتكرر بأشكال مختلفة:
“عندما أصل…
سأرتاح.”
ولهذا نتحمل الكثير.
نصبر.
ونؤجل.
ونقاوم.
ونركض.
لأننا نؤمن أن في نهاية الطريق
شيئًا يستحق كل هذا العناء.
لكن المفاجأة التي لا يتحدث عنها كثيرون…
هي أن بعض الناس
يصلون فعلًا.
ثم لا يجدون ما كانوا يبحثون عنه.
يحصلون على الوظيفة.
لكن القلق لا يرحل.
يكبر الحساب البنكي.
لكن الطمأنينة لا تكبر معه.
يتحقق الحلم القديم.
لكن الفراغ يبقى في مكانه.
في البداية،
يصعب على الإنسان أن يعترف بذلك.
لأنه قضى سنوات طويلة
يعتقد أن الوصول
هو الحل.
كيف يعترف الآن
أن المشكلة لم تكن هناك؟
ولهذا يحاول تفسير الأمر.
ربما الهدف لم يكن كبيرًا بما يكفي.
ربما يحتاج إلى نجاح أكبر.
ربما إلى مال أكثر.
ربما إلى خطوة جديدة.
فيبدأ سباقًا آخر.
ثم آخر.
ثم آخر.
حتى يتحول العمر كله
إلى مطاردة مستمرة
لشعور لا يأتي.
المشكلة ليست في الأحلام.
وليست في النجاح.
وليست في السعي.
المشكلة حين نحمّل الأشياء
ما لا تستطيع أن تحمله.
فالمال مهم.
لكنه لا يمنح معنى للحياة.
والنجاح جميل.
لكنه لا يصالح الإنسان مع نفسه.
والشهرة قد تمنح الانتباه.
لكنها لا تمنح السكينة.
ولهذا نرى أحيانًا
أشخاصًا يملكون أشياء كثيرة جدًا…
لكنهم لا يملكون أنفسهم.
لقد تعلم الإنسان الحديث
كيف يحقق أهدافه.
لكنه لم يتعلم دائمًا
كيف يعيش بعد تحقيقها.
لأن الوصول
كان بالنسبة له
فكرة أكبر من حقيقته.
كان يتخيل أن لحظة الوصول
ستُسكت كل الأسئلة.
وستمحو كل المخاوف.
وستغلق كل أبواب القلق.
لكن ما إن يصل…
حتى يكتشف أن الإنسان
يحمل نفسه معه أينما ذهب.
إن كنت قلقًا قبل الوصول،
فقد يتغير سبب القلق
ويبقى القلق.
وإن كنت خائفًا قبل الوصول،
فقد يتغير شكل الخوف
ويبقى الخوف.
وإن كنت فارغًا من الداخل،
فقد تمتلئ حياتك بالأشياء
ويبقى الفراغ.
هذه الحقيقة
تبدو قاسية في البداية.
لكنها في الحقيقة
محررة جدًا.
لأنها تعيد ترتيب الأشياء
في أماكنها الصحيحة.
فتفهم أن النجاح
ليس علاجًا لكل شيء.
وأن المال
ليس إجابة لكل سؤال.
وأن الوصول
ليس نهاية كل رحلة.
بل مجرد محطة.
محطة جميلة أحيانًا.
ومهمة أحيانًا.
لكنها ليست المعنى كله.
كم من إنسان
قضى عمره يصعد الجبل…
فلما وصل إلى القمة
التفت حوله في دهشة.
كانت المدينة بعيدة.
والناس بعيدين.
والضجيج بعيدًا.
لكن السؤال القديم
كان ما يزال هناك.
السؤال نفسه
الذي هرب منه طويلًا.
من أنا؟
وماذا أريد حقًا؟
ولماذا أركض منذ كل هذه السنوات؟
هناك أسئلة
لا يجيب عنها النجاح.
وأسئلة أخرى
لا يحلها المال.
وأسئلة لا يملك العالم كله
إجابة كافية لها.
ولهذا،
فإن أكثر الناس نضجًا
ليسوا الذين توقفوا عن الحلم.
بل الذين فهموا
أن الأحلام جزء من الحياة…
وليست الحياة كلها.
يسعون.
ويعملون.
ويحققون.
لكنهم لا يربطون أرواحهم
بنتائج الطريق.
يعرفون أن الوصول جميل.
لكنهم يعرفون أيضًا
أن الإنسان إذا لم يجد سلامه في الرحلة،
فلن يجده كاملًا
عند المحطة الأخيرة.
وربما لهذا…
فإن بعض الناس
وصلوا إلى كل شيء تقريبًا،
ثم اكتشفوا متأخرين
أن أكثر ما كانوا يبحثون عنه
لم يكن في الخارج أصلًا.
كان ينتظرهم طوال الوقت…
في الداخل.
رسالة الفصل:
الوصول قد يحقق ما تتمناه، لكنه لا يمنح بالضرورة ما تبحث عنه روحك.
تمهيد الفصل القادم:
وحين يكتشف الإنسان أن المال، والنجاح، والصورة، والوصول… ليست الإجابة النهائية،
يبدأ سؤال جديد في الظهور بهدوء:
إذا سقط كل شيء كنت أظنه مصدر قوتي…
فما الذي سيبقى مني؟






المزيد
حين لا يعود ما انكسر بقلم ابن الصعيد الهواري
وجوه تتبدّل عند المصالح بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الكسر والفرح بقلم ابن الصعيد الهواري