مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟

كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر

 

الكاتب هانى الميهى

 

الفصل التاسع: الحياة التي لم نعشها

 

ليست كل الخسائر

أشياء نفقدها.

 

بعض الخسائر

تمر بجوارنا كل يوم،

 

دون أن ننتبه إليها.

 

 

لا تُكسر شيئًا في أيدينا،

ولا تُسقط شيئًا من جيوبنا،

 

لكنها تأخذ من أعمارنا

قطعة صغيرة كل مرة.

 

 

ثم نستيقظ يومًا ما،

ونكتشف أن سنوات طويلة

مرّت من حياتنا…

 

دون أن نعيشها كما تمنينا.

 

 

في بداية الطريق،

كان لدينا الكثير من الأحلام.

 

أحلام بسيطة أحيانًا،

وأخرى كبيرة بحجم العمر.

 

أماكن أردنا زيارتها،

وأشياء تمنينا تعلمها،

وأشخاصًا حلمنا أن نكونهم،

وحياة رسمنا تفاصيلها

في خيالنا طويلًا.

 

 

لكن الحياة كانت تملك رأيًا آخر.

 

 

قال لنا الواقع:

ليس الآن.

 

 

فانتظرنا قليلًا.

 

 

ثم جاء الغد،

وقال لنا الشيء نفسه.

 

 

فانتظرنا أكثر.

 

 

ومع مرور الوقت،

تحولت كلمة “لاحقًا”

إلى محطة طويلة جدًا.

 

 

بعض الناس

لم يتخلوا عن أحلامهم أبدًا،

 

لكنهم استمروا في تأجيلها

حتى نسوها.

 

 

كانوا يظنون أنهم يحافظون عليها،

 

بينما كانت الأيام

تبتعد بها عنهم بهدوء.

 

 

شاب قال:

سأعيش عندما أستقر.

 

فأمضى عمره

يطارد الاستقرار.

 

 

وآخر قال:

سأرتاح عندما أصل.

 

فقضى حياته كلها

يجري نحو محطة جديدة.

 

 

وثالث أقنع نفسه

أن الوقت ما زال طويلًا،

 

حتى اكتشف أن السنوات

كانت أسرع منه.

 

 

المشكلة أن الإنسان

نادراً ما يشعر بما يخسره أثناء الخسارة.

 

 

فالسنوات لا تُسرق دفعة واحدة،

 

بل دقيقة بعد دقيقة،

ويومًا بعد يوم،

وعذرًا بعد عذر.

 

 

ولهذا،

لا يبدو التأجيل خطيرًا في بدايته.

 

بل يبدو حكيمًا أحيانًا.

 

 

نؤجل الفرح حتى تتحسن الظروف.

 

ونؤجل الراحة حتى ننتهي من المسؤوليات.

 

ونؤجل الأحلام حتى يأتي الوقت المناسب.

 

 

لكن الحياة تملك سرًا صغيرًا

لا نكتشفه إلا متأخرين:

 

الوقت المناسب

لا يأتي دائمًا.

 

 

لأن الحياة لا تنتهي من مطالبها.

 

كلما عبرت أزمة،

ظهرت أخرى.

 

وكلما أغلقت بابًا،

فُتح باب جديد.

 

 

ولو انتظر الإنسان

اكتمال الظروف كلها،

 

فلن يبدأ شيئًا أبدًا.

 

 

الأكثر إيلامًا،

أن بعض الناس

لا يكتشفون ما حدث

إلا عندما ينظرون خلفهم.

 

 

حين يرون المسافة الطويلة

بين ما تمنوه يومًا،

وما عاشوه فعلًا.

 

 

 

هناك حزن خاص جدًا

لا يشبه أي حزن آخر.

 

 

حزن الإنسان

على النسخ التي لم يعشها من نفسه.

 

 

على المواهب التي أهملها.

 

والأحلام التي أجّلها.

 

والطرق التي خاف أن يسلكها.

 

والقرارات التي ظل يؤجلها

حتى سحبها الزمن من يده.

 

 

فالإنسان لا يندم دائمًا

على ما فعله.

 

 

أحيانًا،

يؤلمه أكثر

ما لم يفعله.

 

 

وتؤلمه الفرص التي مرّت،

 

لا لأنه كان عاجزًا،

 

بل لأنه كان ينتظر

أن يصبح كل شيء مثاليًا.

 

 

لكن الحياة

لا تُعاش بالكمال.

 

 

تُعاش بالنقص،

وبالظروف غير المكتملة،

وبالمحاولات المرتبكة،

وبالشجاعة التي تأتي أحيانًا

قبل الجاهزية.

 

 

فكم من إنسان

انتظر أن يشعر بالثقة الكاملة

قبل أن يبدأ،

 

فاكتشف أن الثقة

كانت تنتظره في الطريق نفسه.

 

 

وكم من شخص

أضاع سنوات من عمره

في الاستعداد للحياة،

 

دون أن ينتبه

أنه كان يعيشها بالفعل.

 

 

الأيام لا تسألنا

إن كنا مستعدين أم لا.

 

 

هي تمضي فقط.

 

 

ولهذا،

فإن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه،

 

ليس أن يفشل،

 

بل أن يؤجل حياته

حتى ينتهي عمره في الانتظار.

 

 

وفي نهاية المطاف،

لا يقف الإنسان أمام عدد الأموال التي جمعها،

ولا أمام عدد المعارك التي خاضها،

 

بل أمام حياته نفسها.

 

 

يسألها بصمت:

 

هل عشتك كما أردت؟

 

أم قضيت عمري كله

أستعد للعيش فقط؟

 

وربما لهذا،

فإن بعض الأحلام لا تموت لأننا فقدناها،

 

بل لأنها تعبت من الانتظار.

 

 

والحياة التي لا نعيشها اليوم،

قد لا تجد مكانًا لها غدًا.

 

 

رسالة الفصل:

 

ليست كل الخسائر ما فقدناه، بل أحيانًا ما أجّلناه حتى ضاع من بين أيدينا دون أن نشعر.

 

تمهيد الفصل القادم:

 

لكن حتى الذين يصلون إلى ما كانوا يطاردونه سنوات طويلة…

يكتشف بعضهم حقيقة مربكة جدًا:

 

أن الوصول نفسه

ليس دائمًا نهاية الرحلة.