كتب: محمد صالح
تحدثنا عن مغالبة المجتمع لأنبياءهم، وآثرنا في الحديث الفائت عن خصوصية وإختلاف بعض الأنبياء عن غيرهم، وقلنا أن هنالك تفاوت واختلاف بين الأنبياء والرسل أنفسهم، وهو اختلاف جاء لسنة كونية بحتة، وهذا التفاوت بينهم أيضًا أورث سنة.
نأتي لموسى، فهو يكلم الله بدون وسيط، وهذه ميزة ليست لدى الأنبياء، وموسى لم يكن الأول الذي أرسل لبنو إسرائيل، فقد سبقه عدد من الأنبياء كيهوذا وداؤود وغيرهم، وتخلل إرسال هؤلاء الرسل كلهم شدة من المغالبة لهؤلاء الأنبياء، واختلفوا عليهم، وأنزل الله عذابًا مختلفًا كذلك، ولكن موسى أحدث إختراقًا ليس في قومه فحسب، وإنما في مراحل إرسال الرسل جميعها، رغم أنه قتل منهم نفسًا وأوضحنا ذلك في مقال سابق، وكان الإختراق أنه آمن معه قليل، وهذه المزية أسست للإيمان الذي يتصل بالقلب وليس العقيدة، وفي ذلك تدرج عظيم، حيث كانت تلك المرحلة تهتم بالبناء القاعدي رغم عدد الرسل والأنبياء.
وعندما صار لموسى أتباع وهم قليل استشعر فرعون الخطر؛ ومن المفارقة أن يخرج موسى من بيت فرعون، وفي ذلك دلالتان: الأولى أن الله أراد أن يري فرعون جلائل قدرته ويربي من يهزمه بيده، رغم تدبيره القوي أى فرعون بأن أمر بأن يخبر عن كل مولود، فإذا كان ذكرًا قتله، وكيف أن موسى نجا حينما رأته القابلة التي قزف الله حبه في قلبها، فدست أمره، والقصة معروفة، والدلالة الثانية هي: أن يترعرع موسى في الملك فيرى كيف تجري الأمور، وفي ذلك بلاء عظيم.
فلما أحس فرعون بذلك جمع من المناطق والممالك المختلفة سحرة ودجالين ليغالب موسى ويحارب دينه الجديد هو ومن معه.
فلما أحس موسى ببأسهم كلم الله عز وجل، بأن السحرة قد جمعهم فرعون له، وكان لهم عدد من العَصِيِّ يقزفونها فتصير ثعابين كبيرة، فأمره الله بأن يرمي عصاه فأكلت كل حياتهم، فعلم السحرة بأن هذا أمر رباني، فآمنوا، وقيل فقد إلتقى أمير السحرة قبل النزال، فقال له موسى: كيف إذا غلبتك؟ فقال أؤمن بما جئت به، وفرعون كان ينظر لهذا ويسمع، وحينما آمنوا، وخروا سجدًا، قال لهم فرعون: آمنتم له قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، وفرعون يعلم بأن موسى ليس بساحر، ولكنه تدليس فقط وتكبر منه، وخوف من زوال ملكه.
وكانت أول مقارعة وحجة تقوم وتفصل بين الحق والباطل، وفي ذلك نقلة نوعية، وعبر فرعون عن ذلك بصراحة حيث قال: أتريد أن تخرجوا أهلها ويصير الملك لكم؟ وهذا هو خوفه. ووبخ وأنب موسى حيث قال له: ألم نربك فينا وليدًا، ولبثت فينا سنين تأكل من خيراتنا وتنام في قصورنا؟ وتأتي لتنزع ملكنا، ولم يعلم فرعون أن الأمر من عند الله، لأنه لم يصل مرحلة الإيمان بعد.
الجدير بالذكر أن فرعون كان كلما رأى شئ عظيم إستعظمه، وأمر أتباعه أن يعبدوه كإله، وذلك للمحافظة على ملكه، ولكي يقفل باب الإعتقاد، لأنه يعلم بأن كل إنسان لا يعيش هكذا على الأكل والشرب فقط، فكان يعظهم ويشير لهم ليتخذوا إلهًا من كل شيء عظيم ومميز من غير الخلق.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟