كتبت: آية الهضيبي
هل سبق وتعرضت لِحادثةٍ أو موقفٍ أحزنك وأثار مشاعرك ومن ثمَّ سخطت وغضبتَ منه؟
من المؤكد أنَّ الإجابة هي نعم؛ لأننا ببساطة “بشر” ولم نصل بعد لدرجة الرضا التي تجعلنا نقبل أي شيء وأي حدث دون أنْ نعرف السبب ولأن كُلَّ شيءٍ يحدث لِحكمة لا نعلمها فنرضى ونصبر لأننا نثق أنَّ كُلَّ ما يحدُث وراءه خير مهما كان مؤلمًا أو صادمًا.
«ثمرة الرضا الشُكر»
والرضا يُثمر الشُكر الذي هو مِن أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان فَإنَّ غاية المنازل شُكر المولى، ولا يشكُر الله مَن لا يرضى بمواهبه وأحكامه.

«ثمرة السخط الكُفر»
والسخط يُثمر ضده، وهو كُفر النِعَم، فَإذا رضى العبد عن ربه في جميع الحالات أوجب له لذلك شُكره فيكون من الراضين الشاكرين، وإذا فاته الرضا كان من الساخطين وسَلَكَ سُبُل الكافرين، وإنما وقع الحيف والخلل في الديانات لأن العبيد يريدون أن يكونوا أربابًا «يا أيُها الذين آمنوا لا تُقدموا بين يدي الله ورسوله».
السخط مصيدة الشيطان: والشيطانُ إنما يظفر بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة، فإنه يقول ما لا يُرضي الرب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم: “يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا”.
«السلامة مع الرضا»
والرضا يفتح باب السلامة فيجعل قلبه سليمًا، نقيًا من الغل ولا ينجو من عذاب الله إلا مَن أتى بقلبٍ سليم، والسخط باب للشك والرضا باب للأمن.
الرِّضا نعمةٌ من أعظم النِّعَم في حياتنا، وهو مرتبةٌ عاليةٌ تُضفي على النفس هدُوءًا وطُمَأْنينةً، وتُكسِب صاحبَها التوازنَ النفسيَّ، وتبعث في جوانحه السعادة، وتُعطي الحياةَ معنًى يبعث على النشاط، ويُحفِّز على العمل.
وكلما زاد مستوى الرضا لدى الإنسان، انخفضَتْ مستويات القَلَق والتوتُّر، وخفَّت آثارُ الضغوط اليومية على أعصابه؛ مما يُساعده على الحفاظ على صحَّته النفسيَّة والجسديَّة.
وحين يمتلك الإنسان الرضا، فإنه يحوز كنزًا عظيمًا، يجعله يحتفي بما يملكه وما يستطيعه هو؛ لا ما يمتلكه الآخرون، وما قدره الله سبحانه له؛ وليس ما يريده هو، وحينها يصل الإنسان إلى درجة كبرى من التصالح مع نفسه، والتوافُق مع القدر ومع كل ما حولَه، وجميع ما يمرُّ به من أحداث.
وإذا فقد الإنسان الرِّضا، فلا تسَلْ عن حاله من همٍّ ونكَدٍ وفَقْد لملذَّات الحياة مهما كان مقدار ما يمتلكه، وسِرُّ الرِّضا هو الاقتناعُ أن الحياة هِبةٌ وليستْ حقًّا.
وأن يكون على قناعة تامَّة بأن غيره ليس بأفضل منه، وألَّا يُقارن نفسَه بأحد، ويعلم أن كل شخص يمتلك أشياء تُناسبه، وكل واحد لديه إمكانات ومواهب يفتقدها كثيرون، وأنه مسئول في الدنيا وفي الآخرة عمَّا يملكه هو؛ لا ما يملكه الآخرون، وأن يعلم تمام العلم، ويتيقَّن أن الحياة الدنيا ممرٌّ ومعبرٌ، وأنها دارُ اختبارٍ وابتلاء يجري عليها أمرُ الله ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2].
من أين ينشأ عدم الرضا؟
منشأ عدم الرضا: الجهل، وعدم القناعة، سُئل الحسن البصري: من أين أتِي هذا الخلق؟ قال: “من قِلَّة الرضا عن الله”، قيل له: ومن أين أتي قلَّة الرضا عن الله؟ قال: “من قلَّة المعرفة بالله”.
ولهذا على الإنسان أن يتعلم ويرفع الجهل عن نفسه ليزيد ذلك في مستويات الرضا لديه، وفيما يتعلق بالقناعة: نتذكَّر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: (وارض بما قسم الله لك، تكُنْ أغنى الناس).
وكلنا نعلم أن الغنى غنى النفس، كما علَّمنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، ومستوى الدَّخْل لا يُؤثِّر في مستويات الرِّضا عند الإنسان كما يتوقَّع ذلك البعض.
وليس الرِّضا مرتبطًا بالرفاهية كما يظنُّ البعض؛ فقد جاء في بعض الدراسات أن مستويات الرِّضا لدى سكان القرى الفقيرة في الهند أعلى من مثيله من سكان الدول الغربية.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟