مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما لم تُقله الحكايات… وما قاله الشعر حوار مع سعود دياب

المحرر: التومة بابكر الصديق 

 

في زمنٍ تتداخل فيه الذاكرة بالجراح، ويصبح الحكي فعل مقاومة لا مجرد احتفاظ بالتاريخ، يأتي ديوان «ما لم تقله الخلق في الحواديت» ليعيد ترتيب العلاقة بين الشعر والإنسان، بين الحرب والطفولة، بين الذاكرة وما تبقّى منها. دياب سعودي، الشاعر الذي جمع الفصيح والعامية في مسيرة واحدة، يقدّم عملاً يلامس القدس، ويشمّ رائحة غزة، ويستدعي مصر القديمة من عمق القلب. بين حكايته وحكايات الأجداد، وبين صوت الانفجار وصوت الشعر، يكتب ديوانه كما تُكتب النجاة: بوعيٍ يقظ، وبسردٍ يرى في الحكاية خلاصًا وفي الشعر رسالة.

 

في هذا الحوار، يعود دياب سعودي إلى البدايات، وإلى دهشة العنوان، وإلى رحلة عيسى وياسمين، وإلى كل ما تركته الحرب من ظلالٍ فجّرتها القصائد.

 

 

مشاركتك هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب بديوان يحمل روح القدس… كيف تبدو لك هذه العودة إلى القارئ وأنت تحمل بين يديك حكاية كتبتها بدم القلب لا بحبر القلم؟

 

ليست الفكرة في كون القصائد كتبت بدم أم حبر، بل الفكرة في الرسالة التي حملك الله بها،

 

هي مهنة تأتي بعد أهل الدين، فأنت شيخ طريقة لك مريدون، وفي حضرة الشعر، عندما تهيم بأنشودتك، عليك أن تسافر بالناس على بساط شدوٍ مميز.

 

قديمًا قيل لنا: إن من يحكي الحكاية، هو من انتصر.

 

لكني أرى اليوم، أن من يجيد سرد حكايته، ينتصر!

 

لذا آثرت أسلوب السرد، حتى يكون شدوًا مميزًا، يعلو على أصوات الانفجار.

 

هذا الديوان سيلمس من يقرأه رماد غزة، وعبق مصر القديم، وانهزام الواقع، ووعد المستقبل.

 

كيف بدأ خيط العلاقة بينك وبين دار نبض القمة؟ وما اللحظة التي شعرت فيها أن هذه الدار تستطيع أن تكون الحضن الأمين لنصك؟

 

الأمر بسيط، أنا أعمل في هندسة البرمجيات، في مجال تحليل البيانات.

 

وعندما قمت بدراسة الموسم الأخير من مسابقة نجم، وجدت أنه وبلغة الأرقام، وهي لا تكذب: استطاعت دار واحدة، أن تحصد مركزين، بل وساوت الهيأة العامة!

 

وعندما تواصلت مع صديقي الشاعر/ عبدالله محمد الذي فاز بالجائزة، رحب، وتواصل مع مدير الدار/ د. وليد عاطف، ووجدت الأمر في غاية اليسر.

 

«ما لم تقله الخلق في الحواديت»… عنوان يشبه بابًا يُفتح على أسرارٍ لا تُقال. ما الكلمة الأولى التي أشعلت هذا العالم في داخلك؟

 

الأحداث التي جرت في الآونة الأخيرة، حيث رأينا الحاضر يحرف أمام أعيننا، فما بالكِ بالتاريخ الذي لم نعشه؟!

 

لذا ارتأيت أن يكون الديوان توثيقًا للحاضر، منقبًا عما مضى، وتاركًا للغد، حكايتنا دون أية زخارف أو تزوير.

 

عيسى وياسمين… ثنائي يسير بين الخراب والحنين. كيف وُلدت ملامحهما في وجدانك قبل أن يظهرا على الورق؟

 

عندما قرأت رحلة العائلة المقدسة، كان السيد المسيح صبيًا مع أمه.

 

فسألت نفسي ماذا لو كان في كونٍ موازٍ عيسى أبًا يهرب من اليهود مع طفلته؟!

 

أما عن ياسمين فهو اسم زهرة، مهنتها الرقة، فلم أجد اسمًا أفضل من هذا؛ ليعبر عن أطفال فلسطين.

 

الفجوة الزمنية التي تنقل البطل بين المستقبل والماضي… كيف استطعت أن تُصالح بين هذا الخيال الواسع ولغة عاميّة نابضة بالحياة؟

 

الموضوع بسيط، هو عندما سافر جاء لزماننا، ثم عاد إلى عام النكبة ٤٨، وهرب إلى مصر مع ياسمين.

 

وهناك سيطاردهما البريطان كما كان الرومان يطاردون المسيح في القصة الأصلية.

 

لماذا العامية؟ بسيط أيضًا، ذات مرة كنت أتحدث مع صديق عراقي بالفصحى، فطلب مني أن أحدثه بلهجتي المصرية! لأن السينما المصرية، وفناني الغناء والمسرح، من زمن الفن الجميل.

 

جعل لهجتنا مستساغةً في كل أقطار العرب، كما أن الديوان يهتم بقضايا يجب أن يفهمها كافة الفئات، فليس هناك أبسط من العامية المصرية، ليحمل رسالة فلسفية كهذي، بل وتبسطها حتى تقرب لأذهان العامة وقلوبهم.

 

حين كتبت عن الحرب، هل كنت تكتب عن حربٍ في القدس أم حربٍ أخرى في صدر الإنسان لا يراها أحد؟

 

نعم، حرب النكبة التي هزمت فيها الجيوش العربية، تحت القيادة البريطانية، على يد عصابات الصهاينة الإرهابية.

 

لو اخترت سطرًا واحدًا ليكون مفتاح الديوان، السطر الذي يكشف أبواب الحكاية للقارئ… أي سطر ستضعه أمامه؟

 

هتلاقي طفلة القصف شغال جنبها، تعمل ميوت للصوت، وتشد كُم أبوها لاجل يقول لها … حدوتة قبل الموت!

 

بعد ديوان يمزج بين الزمن والحرب والطفولة… إلى أين يتجه قلم دياب سعودي؟ وهل هناك حلمٌ شعري جديد يتشكّل في الظل؟

 

نعم، هناك ديوان بالفصحى ملف الحالة (٣١) يتحدث عن مشفى من ثلاثة طوابق: كل طابق عشرة غرف، كل غرفة حالة مرضية، ويشرف على علاجهم طبيب وحيد!

 

إذًا هؤلاء ثلاثون حالة من يا ترى الحالة الأخيرة؟! هذا ما سنعرفه في نهاية المشفى، وآخر محطات الرحلة …

 

لو سُئلت أن تصف روايتك في جملة واحدة للقارئ الذي يمرّ أمام جناح الدار… ماذا تقول له؟

 

هناك حكايات تُقرأ قبل النوم، لكن … إن أردت أن تفيق، فهذا مكانك.

 

 

بين عيسى وياسمين، وبين زمنين يبتعدان ويلتقيان، يكتب دياب سعودي ديوانًا لا يروي حكاية فحسب، بل يعيد ترتيب الشعور الإنساني في قلب القارئ. «ما لم تقله الخلق في الحواديت» ليس مجرد نص شعري، بل محاولة لالتقاط ما يتسرب من التاريخ حين يُحكى، وما يبقى من الإنسان حين يواجه الحرب بالحنين، والزمن بالشعر. وفي حضرة هذا الديوان، ندرك أن بعض الحكايات لا تُكتب لتُنهي الحكاية… بل لتبدأها من جديد.