مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما تخافهُ يتعاظم ليقضي عليك – الكاتبة فاطمة فتح الرحمن أحمد

ما تخافهُ يتعاظم ليقضي عليك

فاطمة فتح الرحمن أحمد

كان يدرك أن المشاعر لا تقاس إلا بالتشبيهات، لا يعلم إذا ما المشاعر محسوسة، ولكنه يدرك جيداً أن الفراشات تُصنع بريقاً لا ينتهي، وأن غبارها يغطي تلك الندوب التي صنعتها الغربان، ورفرفة جناحيها بخفة تطغى على أصوات الغربان المريعة.

كان يجلس تحت شجرة البلوط، واضعاً يداه على أذنيه لكي لا يسمع صوت صراخ والدته وهي تطلب من والده التوقف عن ضربها، كان يشعر بأن خفقان قلبه يزداد قوة، وأن نظراته تسقط في بئر عميق وكأنه برأسه على وشك الاصطدام بقاع البئر. يحاول الخروج من هذه المشاعر بالركض حول الشجرة حتى تُدمى قدماه.

استمرت الغربان بصنع أوكارها على قلبه، كما استمر صوت نقيقها بالنقر على رأسه. أخبرته والدته بأنه كلما خاف من شيء فإنه يستغل تلك الفرصة لكي يتملكه ويقضي عليه، ولكن عليه بالمواجهة وأن يظهر له مدى قوته. أشار إليها بأن “أنتِ قوتي”. هربت منها دمعة صارخة وكتمت أنفاسها وقبلته بسرعة وخرجت.

ارتسمت هذه الصورة في ذهنه لمدة طويلة جداً، حتى في تلك اللحظات التي قبل بها أن يأكل من الأرض وأن يرقد في العش. عندما استيقظ في اليوم التالي، وجد والده يبكي وفي يده عقد والدته به صورة تضمهم جميعاً. قال له والده بأن أمه تركتهم لتقضي بقية حياتها مع رجل آخر وطفله الذي يشبه الفراشة لا الغراب. ولكنه كان يدرك جيداً أن والدته لم تخرج من المنزل يوماً، وأن فعلت لم تكن لتتركه خلفها أبداً. “لذا صبغ قلبه بلون الغراب”.

ارتسمت هالات سوداء على جفنيه وأصبحت عروقه تفيض بالظلام. حاول مقاومة الأمر لكن لم يستطع، فرؤية البقع الحمراء التي تغطي الرخام وتلك الخربشات التي تغطي وجه وذراع والده أكدت له أن أمه لن تعود أبداً وتمنى لو أنها رحلت مع رجل آخر وطفله الذي يشبه الفراشة.

بكاء والده المستمر في الساحة الخلفية جعله يدرك أين تعيش أمه الآن. وعرف من وقتها أن الغراب الذي في داخله قد انتصر عليه، لينام آخر مرة على صورة إنسان ويستيقظ كغراب أسود مليء بالظلام، واستطاع بمنقاره أن يفقع عين والده ويهرب منه. بعدها عاش فوق شجرة البلوط، وارتوت الأشجار بدماء الغربان والفراشات. وتساقط غبار الفراشات لتظهر الندوب وتفتح الجراح .