بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة في منظمه حقوق الإنسان المصريه وصاحبه كتابي البحث عن الذات و كتاب طوظ.
ليس الصبر في جوهره حالة ضعف أو استسلام، كما يظنه بعض الناس، بل هو موقف قوة، واختيار واعٍ للثبات حين تضيق السبل وتثقل الأعباء. فالصبر ليس انتظارًا سلبيًا، وإنما هو قدرة الإنسان على الاحتمال، مع الإيمان بأن لكل ليل فجرًا، ولكل كسر جبرًا، ولكل تعب نهاية تليق به.
لقد اقترن الصبر في الوعي الإنساني، وفي الخطاب الديني والروحي، بوعدٍ صادقٍ بالجبر. فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الصبر عبئًا بلا مقابل، بل جعله طريقًا إلى الفرج، ووسيلة للارتقاء، وجسرًا يعبر به الإنسان من الألم إلى الطمأنينة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن ما بعد الصبر عطاء لا يُقاس، وجبر لا يُعدّ.
والجبر لا يأتي دائمًا على الصورة التي نتوقعها أو ننتظرها، فقد يأتي في صورة سكينةٍ تُلقى في القلب بعد اضطراب، أو قوةٍ داخلية لم تكن معروفة من قبل، أو وعيٍ جديد يُعيد ترتيب الأولويات، أو حتى في انكشاف حقائق كانت خفية. فكم من إنسان ظن أن الجبر هو تعويض مادي أو عودة أشخاص أو تغير ظروف، ثم اكتشف أن الجبر الحقيقي كان في نجاته، أو في نضجه، أو في شفائه من تعلقٍ كان يؤذيه.
إن الصبر يُهذّب النفس، ويُعلّمها الحكمة، ويُعيد تشكيل علاقتها بالحياة وبالناس. فمن صبر طويلًا، تعلم ألا يعلّق قلبه بما يفنى، ولا يرهق روحه بما لا يملك، وأدرك أن بعض الخسارات ما هي إلا مكاسب مؤجلة، وأن بعض الآلام رسائل تحمل في طياتها رحمة خفية.
وما بعد الصبر إلا الجبر، لأن الله لا يكسر قلبًا ثم يتركه مكسورًا، ولا يُنزل عبدًا وادي الألم إلا ليُصعده جبل الحكمة. فالجبر وعد إلهي، قد يتأخر لحكمة، لكنه لا يغيب أبدًا. يأتي في الوقت الذي يكون فيه القلب أكثر نضجًا لاستقباله، وأكثر قدرة على الحفاظ عليه.
وفي النهاية، يبقى الصبر موقف الكبار، وخيار الأقوياء، ودليل من أدلة الإيمان العميق بأن ما عند الله خير، وأن العسر مهما طال، يعقبه يسر، وأن الجبر حتمي لمن صبر واحتسب.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق