مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍبقلم هاني الميهى

الفصل الثاني
وهم الراحة
اسم الكتاب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
اسم الكاتب: هاني الميهى
لم يُرهق الإنسانَ التعبُ بقدر ما أرهقه انتظاره للراحة.
فالتعب مفهوم،
أما الوهم… فمُنهك.
وهم الراحة لم يولد مع الإنسان،
بل صُنع له.
رُوِّج، وسُوِّق، وتحوّل مع الوقت إلى معيار خفي للحياة الناجحة.
إن لم ترتح، فهناك خطأ.
إن تألمت طويلًا، فهناك خلل.
إن طال الطريق، فربما اخترت الاتجاه الخطأ.

وهكذا، بدل أن يسأل الإنسان:
كيف أُدير المشقة؟
أصبح يسأل:
متى تنتهي؟
وهنا تبدأ الأزمة.
الراحة — في حقيقتها — ليست حالة دائمة،
ولا وعدًا إلهيًا،
ولا مكافأة مضمونة.
هي فاصل زمني محدود بين مهمتين،
أو استشفاء مؤقت قبل جولة جديدة من الكبد.
لكن حين تتحول الراحة إلى هدف،
تتحول الحياة إلى خيبة متكررة.
لأن الواقع لا يلتزم بتوقعاتنا،
ولا يعتذر عن ضغطه،
ولا يخفف حمله لأننا تعبنا.
وهم الراحة جعل الإنسان يخلط بين:
التعب الطبيعي
والانهاك الناتج عن سوء الإدارة
فكل مشقة صارت ظلمًا،
وكل ضغط صار علامة فشل،
وكل تأخير صار دليل انسداد.
والحقيقة مختلفة تمامًا.
ليس كل تعب عدوًا،
ولا كل ضغط خطرًا،
ولا كل قسوة ظلمًا.
بعض المشقة تُنمّي،
وبعض الألم يُهذّب،
وبعض الضغط يكشف المعادن.
لكن الوهم يُفقد الإنسان هذه البوصلة.
من ينتظر الراحة أولًا،
سيؤجل المسؤولية.
ومن يطلب الطمأنينة قبل الفهم،
سيهرب من المواجهة.
ومن يرفض الألم بالمطلق،
سيرفض النمو دون أن يدري.
وهنا المفارقة القاسية:
أكثر الناس بحثًا عن الراحة،
هم أقلهم استقرارًا.
لأنهم يصطدمون بالحياة كل يوم،
ويفسّرون طبيعتها على أنها عداء شخصي.
أما من فهم القاعدة منذ البداية —
أن الإنسان خُلق في كبد —
فلا يُفاجَأ بالتعب،
ولا يُصدم بالضغط،
ولا ينهار عند أول اختبار.
هو لا يحب الألم،
لكنه لا يُخاصمه.
لا يطلب المشقة،
لكنه لا يهرب منها.
يفهم أن الراحة ليست حقًا مكتسبًا،
بل نتيجة مؤقتة لإدارة صحيحة.
وهنا فقط تتغير المعادلة:
بدل أن تسأل الحياة:
لماذا لا أرتاح؟

تسأل نفسك:
هل أُدير جهدي بذكاء، أم أستنزف نفسي بلا وعي؟
وهم الراحة لا يُسقطك فجأة،
بل يُخدّرك تدريجيًا،
حتى تضعف قدرتك على الاحتمال،
ثم تلوم الحياة على ما صنعت يداك.

رسالة الفصل
الراحة التي تُطلَب قبل الفهم،
تتحول من نعمة إلى فخ.

#لقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي