حين ينهش الداخل صاحبه
بقلم/هاجر أحمد عبد المقتدر
تكن الأيدي التي تزحف من الجدران كائناتٍ غريبة،
بل وجوهًا مألوفة ارتدت هيئة الظل.
كانت مخاوفه القديمة حين تُترك في العتمة،
وأفكاره المكبوتة حين تجد الفرصة لتنتقم.
جلس في المنتصف،
منكمشًا على نفسه كمن يحاول حماية آخر ما تبقّى منه،
رأسه مثقل بما لم يُقال،
وكتفاه منحنيتان تحت ثقل سنواتٍ من التظاهر بالقوة.
لم يكن الخوف في الظلام،
بل في وعيه التام بما يقترب.
كل يدٍ تمتد نحوه كانت سؤالًا بلا إجابة،
وكل ظلٍّ يهمس باسمه يذكّره
بمراتٍ اختار فيها الصمت بدل المواجهة،
وبأحلامٍ خُنقت قبل أن تولد
لأن التوقيت لم يكن مناسبًا،
أو لأنه لم يكن شجاعًا بما يكفي.
الجدران شاهدة،
ملطخة بما تسرّب من داخله عبر السنين،
والأرضية تحفظ أثر السقوط الأول
حين أدرك أن الهروب لا يصنع نجاة،
وأن تأجيل الألم
لا يُلغي حضوره،
بل يربّيه.
في هذا الحصار الخانق،
تتداخل الأصوات:
صوت اللوم،
صوت الندم،
وصوتٌ أضعف…
يحاول التذكير بأنه ما زال هنا،
وأن البقاء ذاته شكلٌ من أشكال المقاومة.
لم يعد يتمنى الخلاص،
بل هدنة قصيرة مع نفسه،
مساحة يتنفس فيها دون خوف من الانكسار.
فأقسى المعارك
هي تلك التي لا يراها أحد،
والهزيمة الحقيقية
أن تُسلِّم روحك
لأشباحٍ صنعتها بيديك.
ومع ذلك،
وسط هذا الليل المتكاثف،
كانت هناك فكرة واحدة ترفض الموت:
أن مواجهة الظلام
قد تكون البداية الوحيدة للنور،
وأن من يجرؤ على النظر إلى داخله،
مهما انكسر،
لا يزال قادرًا على النهوض.






المزيد
مرافئ الشوق الأخير بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال