الفصل السادس
الله لم يعدك بالسهولة
اسم الكتاب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
اسم الكاتب: هاني الميهى
من أخطر التشوهات التي أصابت الوعي الديني عند الإنسان المعاصر،
أنه خلط بين الإيمان والراحة،
وبين القرب من الله وسلاسة الطريق،
وبين الاستقامة وسهولة الحياة.
نشأ تصور خفي، لكنه واسع الانتشار،
مفاده أن الإنسان إن كان صادق النية،
نقي القلب،
مستقيم السلوك،
فإن الحياة يجب أن تُكافئه باليسر،
وأن المصاعب يجب أن تُرفع عنه،
وأن الألم يجب أن يتراجع.
وحين لا يحدث ذلك،
يتسلل الشك،
ويبدأ السؤال الصامت:
لماذا أنا؟
ماذا فعلت خطأ؟
أين العدل؟
أين الوعد؟
وهنا تكمن الأزمة،
ليس لأن السؤال خاطئ،
بل لأن التوقع من الأساس كان خاطئًا.
الله لم يعد الإنسان بالسهولة.
لم يعده بطريق ممهد.
لم يعده بحياة بلا ضغط.
لم يعده بنجاح بلا ثمن.
بل أخبره بالحقيقة منذ البداية:
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ.
هذه ليست آية تعزية،
ولا وعدًا بالفرج القريب،
ولا تهيئة نفسية للصبر فقط،
بل إعلان واقع.
القرآن — في جوهره —
لا يبيع الوهم،
ولا يساير الرغبات،
ولا يجامِل التوقعات البشرية.
هو يُعيد ضبط الإنسان على الحقيقة،
حتى لا ينهار حين يواجهها.
الله لم يقل:
إن آمنتم سترتاحون.
ولا قال:
إن صبرتم ستزول المشقة.
ولا قال:
إن استقمتم ستُعفون من الألم.
قال شيئًا أدق وأعمق:
أن الحياة — في أصلها — مكابدة.
ومن يفهم هذا،
لا يتفاجأ،
ولا ينهار،
ولا يربط إيمانه بمستوى الراحة.
المشكلة ليست في الألم،
بل في تفسير الألم.
حين يعتقد الإنسان أن الإيمان عقد راحة،
يتحوّل كل اختبار إلى أزمة إيمان.
وحين يظن أن القرب من الله يعني السلامة الدائمة،
يُصاب بالخذلان عند أول ضربة.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث:
أن يُحمَّل الدين ما لم يعد به.
الله وعد بالهداية،
لا بالراحة.
وعد بالمعية،
لا بإلغاء الطريق.
وعد بالأجر،
لا بإعفاء التكلفة.
السهولة — إن جاءت —
فهي فضل،
لا حق.
أما المشقة،
فهي الأصل.
ولهذا كان الأنبياء — وهم أقرب الخلق إلى الله —
أكثر الناس تعرضًا للكبد.
لم يكن طريقهم سهلاً،
ولا كانت حياتهم مريحة،
ولا كانت رسالتهم خفيفة.
كُذّبوا،
وحُوربوا،
وطُردوا،
وأُوذوا،
وعاشوا تحت ضغط مستمر.
ولو كانت السهولة دليل القرب،
لكانوا أولى الناس بها.
لكن الله لم يُرِد أن يربط القرب بالراحة،
بل ربطه بالثبات.
الإيمان الحقيقي لا يُقاس بغياب الألم،
بل بقدرتك على الاستمرار رغم الألم.
ومن هنا نفهم لماذا يفشل كثيرون روحيًا،
لا لأنهم سيئون،
بل لأنهم دخلوا الطريق بتوقعات خاطئة.
كانوا ينتظرون الطمأنينة،
فوجدوا الصراع.
كانوا ينتظرون السكينة،
فوجدوا الاختبار.
كانوا ينتظرون الانفراج السريع،
فوجدوا التأخير.
فبدل أن يعيدوا فهمهم،
اتهموا الطريق.
الله لم يعدك بالسهولة،
لكنه لم يتركك بلا أدوات.
أعطاك العقل،
وأعطاك الوعي،
وأعطاك القدرة على التحمل،
وأعطاك حرية الاختيار.
وأعطاك ما هو أثمن من الراحة:
المعنى.
المعنى هو ما يجعل المشقة محتملة.
هو ما يحول الألم من عبث إلى امتحان.
هو ما يمنح التعب قيمة.
من دون المعنى،
تصبح الحياة قاسية بلا سبب.
ومع المعنى،
تصبح القسوة مفهومة،
ولو لم تكن محببة.
الله لم يقل إن الطريق سيكون سهلاً،
لكنه قال إن الطريق له غاية.
وهذا الفارق جوهري.
الإنسان الذي يفهم هذا،
لا يسأل:
لماذا أتعب؟
بل يسأل:
لِمَ أُتعب؟
ولا يسأل:
متى تنتهي المشقة؟
بل يسأل:
ماذا تُعلّمني هذه المشقة؟
وحين يتغير السؤال،
يتغير الاحتمال.
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان،
أن يقيس رضا الله بمستوى راحته.
فالراحة قد تكون استدراجًا،
وقد تكون اختبارًا،
وقد تكون تأخيرًا لألم أكبر.
كما أن المشقة قد تكون رفعًا،
وقد تكون حماية،
وقد تكون إعادة توجيه.
الله لا يتعامل مع الإنسان بمنطق التدليل،
بل بمنطق التربية.
والتربية — بطبيعتها — ليست سهلة.
كل من رُبّي جيدًا،
مرّ بلحظات انضباط،
وضغط،
وحرمان مؤقت،
وتصحيح مؤلم.
لكن النتيجة كانت شخصية أصلب،
وعقلًا أوضح،
ونفسًا أقدر.
كذلك الحياة.
الله لم يعدك بالسهولة،
لأنه يعلم أن السهولة المستمرة
تُفسد الإنسان.
تُضعف احتماله،
وتقلل صلابته،
وتجعله هشًا أمام أول صدمة.
والإنسان الهش لا يصلح للخلافة،
ولا لحمل الأمانة،
ولا لإدارة الأرض.
لهذا،
الكبد ليس عقوبة،
بل إعداد.
ومن أخطر ما يمكن أن يُقال للإنسان:
“لو كنت قريبًا من الله، لما تعبت”.
هذه جملة تهدم أكثر مما تبني.
لأنها تربط العلاقة بالله بنتيجة دنيوية،
وتحوّل الإيمان إلى صفقة،
وتجعل الصبر مشروطًا بالعائد السريع.
الإيمان أعمق من ذلك.
أثقل من ذلك.
وأصدق من ذلك.
الإيمان أن تفهم أن الطريق صعب،
ومع ذلك تسير.
أن تعرف أن الكبد قادم،
ومع ذلك لا تتراجع.
أن تدرك أن السهولة ليست مضمونة،
ومع ذلك لا تساوم على قيمك.
الله لم يعدك بالسهولة،
لكنه وعدك أن لا يضيع سعيك.
وهذا هو الضمان الحقيقي.
الإنسان الذي يطلب السهولة،
سيبيع نفسه عند أول ضغط.
أما الذي يطلب المعنى،
فسيصمد،
حتى لو طال الطريق.
ومن هنا،
أكثر الناس سلامًا داخليًا
ليسوا أكثرهم راحة،
بل أكثرهم فهمًا لطبيعة الرحلة.
هم لا يتفاجأون بالكبد،
ولا يفسرونه كعلامة رفض،
ولا يربطونه بفشل ذاتي.
يفهمونه كما هو:
جزء من التصميم.
الله لم يعدك بالسهولة،
لكنه أعطاك ما هو أهم:
القدرة على المواجهة،
وحرية القرار،
وإمكانية النمو من داخل الألم.
ومن فهم هذا،
لا ينهار حين تتأخر النتائج،
ولا يساوم حين يشتد الضغط،
ولا يترك الطريق لأنه متعب.
هو لا ينتظر أن تصبح الحياة أسهل،
بل يصبح هو أصلب.
وهنا فقط،
يتحول الكبد من عبء
إلى معنى.
رسالة الفصل
من ينتظر من الإيمان طريقًا سهلاً،
سيتعب مرتين:
مرة من المشقة،
ومرة من خيبة التوقع.
#لقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي






المزيد
مرافئ الشوق الأخير بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال