مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ليالي رمضان: بقلم: سعاد الصادق

ليالي رمضان:
بقلم: سعاد الصادق

 

يأتي رمضان
كأنّه نداءٌ قديم
تعرفه الأرواح،
ولو نسيتْه الألسنة.
لا يدخل بالضجيج،
بل يتسلّل بهدوء،
كنورٍ خفيّ
يبحث عن موضعه في القلب.
فإن وجده متعبًا
جلس عنده،
وإن وجده مغلقًا
انتظر.
في أوّل لياليه
تشعر النفس
أنها لم تكن ضالّة،
بل كانت بعيدة قليلًا…
وها هي تعود.
تعود
لا بقوّة،
بل بانكسارٍ جميل
يشبه الخشوع.
في رمضان
نصوم عن الطعام،
لكن الأرواح
تصوم عن ثقلها،
عن الغفلة،
عن الركض خلف ما لا يُشبع.
يتعلّم القلب
أن يقلّ
ليصفو.
قبل المغرب
تدخل النفس مقام الانتظار.
لا تنتظر الأذان فقط،
بل تنتظر الإذن:
إذن القرب،
وإذن الرحمة،
وإذن أن تُغفر
أشياء لم تُقَل
ولم تُبَح.
وحين يعلو الأذان،
تنفتح أبوابٌ خفيّة،
لا تُرى
لكن تُحَسّ.
تسري الطمأنينة
كما يسري الماء
في أرضٍ عطشى
منذ زمن.
في لياليه
نقوم
لا لأننا أقوياء،
بل لأننا محتاجون.
نقف بين يدي الله
خفافًا،
بعد أن أسقطنا عن قلوبنا
ما أثقلها.
كل ركعة
اعتراف،
وكل سجدة
عودة.
رمضان
لا يعلّمنا كيف نطلب،
بل كيف نسكت
حين يكفينا
أن نكون
في حضرة الله.
فهناك،
حتى الصمت دعاء،
وحتى الدمع
فهم.
هو شهر
تتعلّم فيه النفس
أن النور
لا يُرى بالعين،
بل يُحَسّ
حين يطمئن القلب
لأول مرة
منذ زمن.
وحين يمضي رمضان،
لا يرحل النور كلّه.
يبقى شيءٌ جميل :
أثرُ سجدة،
رائحةُ دعاء،
وشرارةُ يقين.
ومن عرف هذا الأثر
عرف الطريق،
ولو طال به السير…