مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لن تنجو من الحُب سالمًا

 

كتبت: آية الهضيبي 

“لا أحد يرفض الحُب، يمكن أن نخافه، نختبئ منه، نصبح مُتطلبين حين نتحدث عنه، لكن أبدًا لا يمكننا رفضه”

عبارة كتبتها حنان سعيد.

والحقيقة عزيزي القاريء أنني أتفق معها ورُبما أنت كذلك، الحُب رغم جماله إلا أنه يُكلف الإنسان ثمنًا باهظًا رُبما لا يقدر عليه؛ فَمثلًا حُب الله تعالى هو الأصدق لأنه لو لم يُحبنا لَما أوجدنا؛ ولكن ماذا عن حُبك أنت له، تُحب رسول الله؟ ما دليل حُبك له؟

 

الحقيقة أنَّ الأمر أحيانًا يبدو مُعقد في ظاهر الأمر وحتى في باطنه؛ فَتشعُر بكُتلة من المشاعر بداخلك وتجد عقلك مُشوشًا وحالتك ليست طبيعية وهذا هو هرمون الدوبامين الذي يُمكن أن يجعلك مُدمنًا أكثر من كَوْنك إنسان عادي يُحِب ويُحَب، لأنك ترى الأمر من بعيد مُذهل ورائق كثيرًا ويروق لك أنْ تُجربه وتدخل وأنت تجهل مصيرك وما ينتظرك.

وتبدأ اللهفة والشغف وتشعُر في البداية أنَّ الأمر مُبهِر وتزداد تعمُقًا في ذلك الكهف حتى يتحول إلى سجن رُغم أنَّ هُناك مُعجزة حدثت بداخله.

وبعد مرور بعض الوقت تبدأ تشعُر بالدهشة المُفرطة من كل شيء غريب بداخله وحتى أنك تبدأ تشعر بالامتعاض وبالتدريج تشعر بالاشمئزاز وتُحاول الرجوع أو الخروج ولكن فات الأوان.

 

النهاية تقترب وأنت لا تستطيع تغيير القدَر وحتى أنك مع مرور الوقت تتأقلم وتندمج لدرجة أنك تستلذ الألم وتنسى التفريق بين حقوقك و واجباتك وحتى أنك تنسى نفسك وتفقد تركيزك تمامًا ولا ترى أيضًا وتُسميه سحر الحُب.

 

وتصل إلى مُستوى العشق وهُنا لا أمل في العودة، وحتى أنك تُبرر كل شيء حسب هواك وتنسى معنى التضحية لأنك بالفعل قد ضحيت بنفسك وانتهى الأمر.

 

أنت تُحب وطنك ولا يوجد إنسان لا يُحب وطنه ويدفع ضريبة ذلك أن يُدافع عنه ولكن يأتي السؤال هُنا هل تُدافع عن وطنك لأنك تُحبه أم لأنه واجبك؟ أم رُبما الاثنين؟

الحقيقة أنَّ الأمر مُختلف؛ فَعندما تقوم بالتضحية لأجل وطنك أو الدفاع عنه لأن ذلك واجبك ستفعل ذلك على مضض.

ولكن إذا كنت تُحبه ويتضمن حُبك معاني الإخلاص له فَإنك ستشعُر بالمُتعة وأنت تفعل ذلك ولن تُفكر في المُقابل أو النتيجة.

ونفس الأمر إذا كُنت تُحب أهلك فَإنك ستقوم ببرهم لأن الله أمرك بذلك ولأنك تُحبهم ولو لم يكونوا أهلك لَقُمت ببرهم أيضًا.

 

حسنًا، ها أنت وصلت إلى مُنتصف الطريق عزيزي القارئ ومن المؤكد أنك لن ترغب في العودة إلى نقطة البداية بعدما قطعت كل هذه المسافة، دعني أُخبرك أمرًا إذا كنت تُحب نفسك فَأنت لست أناني إلا إذا لم تُفكر إلا بها فقط، فلا تكُن بخيلًا عليها في الأشياء الضرورية والبسيطة للحياة.

إذا كنت تُحب صديقك فَإنك من البديهي أنك ستكون مُخلصًا و وفيًّا له وستقوم بعمل كل ما بوسعك وأكثر لتجعله سعيدًا حتى على حساب نفسك، وهُنا يتحول الأمر إلى مرض ولا تستطيع التمييز بين العلاقات الصحية والسامة أو المؤذية كما يقولون.

إذا كان لديك شريك حياة وتتفانى في العطاء لأجله وتنسى قيمة نفسك و واجبك تجاهها فَهذا الحُب يُقحمك في الويلات ويوقعك في دهاليز التعاسة الأبدية.

و وجب عليك التحرر منها، لن تقدر وحدك لأن الحياة بحاجة إلى مَنْ يُقاسمك الألم والسعادة ولكن كُن أنت الصَديق والحبيب الأول لها حتى لا تُضل الطريق وتعتمد على إنسان واحد وعندما يختفي تسقط وتجد نفسك مُعلقًا في الهواء، ذلك الشعور مُزعج كثيرًا.

عندما لا تستطيع أن تُسيطر على أفكارك ستهلك، هُناك البعض يجعل الحُب أولوية في حياته وحتى أنه يصل إلى مرتبة الطعام والشراب وحتى الهواء الذي نتنفسه؛ لذلك الأهم هو أن تجعل حُب نفسك كما هي أولوية وحمايتها هدف.

 

في النهاية الحُب ليس مُجرد كلمة عادية؛ بل يتضمن الكثير والكثير وإذا كُنت لن تقوى على متاعبه ولا تعلم أنك لن تتذوق حلاوته فقط فلا تُجازف بقلبك وعقلك وتسلُك طريقه.

وأعلم أنَّ الأمر لا يكون دائمًا بإرادتنا ولكن على الأقل يكفينا شرف المُحاولة حتى عندما نأتي لِنُسأل أمام ذاتنا لِمَ حدث لنا كل هذا لا نخجل من النظر في المرآة، وعندما نُحارب لكي لا نقع في المعصية فالله يعلم أننا نُجاهد ولا نستسلم أو نتحجج ببعض الظروف ونُعلق أخطاءنا على غيرنا.

فقط نحن بحاجة إلى بعض النُضج ومن ثمّ ستترك كل هذا الهُراء وستُفكر فيما يُفيدك أكثر مما يؤذيك، ستجد لافتة على إحدى الطُرق كُتب عليها “احذر هُنا سَتفقد قلبك وعقلك” ولكنك سَتسلُكه لأنك قد أُصبت بالفعل بالجنون.