مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لم أغضب… ولكني رأيتُ ما لم تريه بعد بقلم هاني الميهى

لم أغضب… ولكني رأيتُ ما لم تريه بعد بقلم هاني الميهى

 

لم أغضب، لأن الغضب يليق بمن لم يُدرك بعد أن الصدق امتحانٌ لا يجتازه إلا الأوفياء.

أما أنا، فقد بلغت من الوعي ما يجعلني أرى وراء الكلمات نواياها،

وأسمع خلف الصمت ما لم يُقال.

يا صغيرتي،

ثمة لحظة في العمر يُدرك فيها الإنسان أن الحقيقة، وإن كانت مؤلمة،

أكثرُ رحمةً من الوهم الذي يُسكِّن القلب لحينٍ ثم يتركه ينزف طويلاً.

ولذلك قلتُ ما قلت، لا لأنني أردت أن أوجعك،

بل لأنني خشيتُ أن تستيقظي يومًا على وجعٍ أكبر، صنعتيه بيديك.

ليس كل من يبتسم في وجهك صادقًا،

ولا كل من يُصغي إليك محبًّا،

فبعض الناس يُخفي خلف اللين خوفًا من خسارتك،

وبعضهم يُجامل ضعفك ليحافظ على صورته أمامك،

وقليلٌ فقط من يملك الجرأة أن يقول لكِ ما لا تريدين سماعه.

كنتُ من هؤلاء القلائل.

قلتُ الحقيقة لأنني رأيت ما لا ترين،

ورأيتُ الطريق الذي تمضين فيه من غير وعيٍ إلى هاويةٍ من الندم.

لم أُرِد أن أكون شاهدًا على سقوطٍ كنتُ أستطيع منعه،

فاخترتُ أن أكون صادقًا، لا مريحًا.

تعلمين…

أن الصدق لا يُقال دائمًا ليرضي،

بل ليُنقذ.

وكثيرًا ما يكون أثقل على القلب من الكذب،

لكنه وحده ما يحرّرك من نفسك.

أنا لا أحمل في داخلي غُصّةً ولا خيبة،

لأنني أدرك أن الأرواح التي ترفض النصح ليست جاحدة،

بل خائفة من مواجهة ذاتها.

وحين يكتمل وعيك، ستفهمين أن ما ظننته قسوة،

كان في جوهره شفقةً راقية، وحرصًا نبيلًا.

ولأنني لم أغضب، لم أُغلق الباب.

تركته كما هو، مفتوحًا على احتمالاتٍ طيبة،

لا رجوعًا إلى ما مضى،

بل احترامًا لصدقٍ جمعنا يومًا،

وذاكرةٍ لم تُدنّسها الخيبة.

وإن مضت الأيام، ومرّ كلٌّ في طريقه،

سيبقى في قلبي إيمانٌ هادئ:

أن الحقيقة، مهما أنكرتها القلوب،

تبقى وحدها الطريقُ الذي لا يُضلّ أحدًا.