مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

كتاب الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الأول:

حين يبدأ المطارد دون أن يدري

الجزء الرابع

 

يا صديقي،

في كل علاقة غير متوازنة، هناك مطارد لا يكلّ، وهارب لا يلتفت.

لكن العجب أن كلاهما في النهاية يخسر ذاته.

فالمطارد يذوب في الآخر، والهارب يضيع في خوفه من القرب.

والكِلاهما لا يعرف أن الخلاص لا يكون بالهروب ولا بالتمسك،

بل بالوعي.

المطارد حين يبدأ في التعافي، لا يفعل ذلك لأنّه كفّ عن الحب،

بل لأنه بدأ يُدرك أن الحبّ الذي لا يُبادَل، ليس حبًّا بل استنزافًا.

يبدأ بفكّ خيوط التعلق واحدةً تلو الأخرى،

كمن يحرّر قلبه من سجن صنعه بيديه.

يتوقف عن السؤال، عن التبرير، عن الانتظار.

يتعلّم أن الصمت في بعض الأحيان ليس هزيمة،

بل لغة النجاة الأخيرة.

تراه بعد زمنٍ قصيرٍ وقد تغيّر صوته،

أصبح أكثر هدوءًا، وكأنه وجد طريقًا داخليًا لم يعرفه من قبل.

ذلك الطريق الذي يقوده نحو ذاته، لا نحو أحدٍ آخر.

في هذه المرحلة، يتعلّم المطارد درسه الأثمن:

أن الحب لا يُثبت بالسعي،

ولا يُقاس بعدد المرات التي عدتَ فيها،

ولا بعدد الأبواب التي طرقتها لتبقي الآخر.

إنما يُقاس بمدى حفاظك على نفسك حين يُغلق الباب في وجهك.

في الوعي الجديد، لا يعود المطارد بحاجةٍ لأن يُثبت شيئًا.

فهو يعلم الآن أن الكرامة ليست نقيض الحب، بل دليله الأول.

وأن الانسحاب الهادئ ليس نهاية، بل ميلاد جديد.

سيجلس ذات مساء، يتذكر كل ما مضى،

ولا يشعر بالمرارة، بل بالامتنان.

فهو الآن يعرف أن التجربة لم تأتِ لتُدمّره،

بل لتصنع منه إنسانًا يعرف متى يُعطي، ولمن.

يا قارئي العزيز،

كل مطاردٍ مرّ من هنا، خرج بشيءٍ لا يُشترى:

خرج بوعيٍ يُشبه النور بعد عتمةٍ طويلة.

خرج وهو يعلم أن الحبّ الحقيقي يبدأ عندما لا تحتاج لأن تُطارده.

وهكذا ينتهي الفصل الأول.

بعد أن تعرفنا على “المطارد”، سننتقل في الفصل الثاني إلى الوجه الآخر من المعادلة:

“الهارب… حين يخاف الحب أكثر من الفقد.”

حيث نغوص في عقل الهارب، نكتشف أسبابه الخفية، ونفهم كيف يصنع الهروب جدارًا بينه وبين ذاته..

 

 

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب

#هانى_الميهى