مقال بعنوان
لماذا أصبح كثير من الناس يشعرون بالوحدة رغم كثرة العلاقات؟
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
في زمن أصبح فيه التواصل أسهل من أي وقت مضى يبدو أن الشعور بالوحدة أصبح أكثر انتشارًا من أي وقت مضى أيضًا فالهاتف بين أيدينا طوال الوقت ومواقع التواصل الاجتماعي لا تتوقف عن عرض الأصدقاء والمتابعين والمحادثات ومع ذلك يستيقظ كثير من الناس كل يوم وهم يشعرون بأن هناك فراغًا كبيرًا بداخلهم وكأن شيئًا مهمًا ينقصهم رغم وجود عشرات الأشخاص حولهم
الوحدة لم تعد مرتبطة بالجلوس منفردًا داخل غرفة هادئة بل أصبحت شعورًا قد يرافق الإنسان وسط الزحام وداخل الأسرة وحتى بين الأصدقاء فهناك فرق كبير بين أن يكون حولك أشخاص كثيرون وبين أن تجد من يفهمك ويستمع إليك ويشاركك مشاعرك بصدق
من الأسباب التي ساهمت في انتشار هذه المشكلة أن كثيرًا من العلاقات أصبحت سريعة وسطحية يهتم فيها البعض بإظهار أفضل صورة لأنفسهم أكثر من اهتمامهم ببناء علاقة حقيقية قائمة على الصدق والاهتمام المتبادل كما أن ضغوط الحياة اليومية جعلت كثيرًا من الناس مشغولين طوال الوقت حتى فقدوا القدرة على الجلوس مع أنفسهم أو مع من يحبونهم بشكل حقيقي
ومع مرور الوقت يبدأ الإنسان في الشعور بأنه محاط بالكثير من الوجوه لكنه يفتقد القلوب القريبة منه فيتحول التواصل إلى كلمات عابرة ورسائل سريعة بينما تظل احتياجاته النفسية والعاطفية دون إشباع
لكن هذه المشكلة ليست بلا حلول فالبداية تكون بالبحث عن العلاقات الحقيقية لا الكثيرة فصديق واحد صادق قد يكون أفضل من عشرات العلاقات السطحية كما أن تخصيص وقت للأسرة والأصدقاء والاستماع إليهم باهتمام يساعد على بناء روابط إنسانية قوية تدوم لفترات طويلة
ومن المهم أيضًا أن يتعلم الإنسان كيف يصادق نفسه وأن يمنحها وقتًا للتأمل والتطوير والراحة لأن من لا يشعر بالسلام الداخلي يصعب عليه أن يشعر بالراحة مع الآخرين مهما كانوا قريبين منه
كما أن المشاركة في الأعمال التطوعية والأنشطة الاجتماعية المفيدة تساعد الإنسان على تكوين علاقات صحية قائمة على القيم المشتركة والاهتمامات الحقيقية بعيدًا عن المصالح المؤقتة
الحلول العملية والإيجابية
الاهتمام بالعلاقات الصادقة بدلًا من العلاقات الكثيرة
تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للتواصل الحقيقي مع الأسرة والأصدقاء
التقليل من الاعتماد على العلاقات الافتراضية فقط
المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية
تعلم مهارات الاستماع والحوار والتعبير عن المشاعر
منح النفس وقتًا للراحة والتأمل والتطوير الذاتي
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
سورة الحجرات الآية 10
وقال سبحانه
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
سورة الحجرات الآية 13
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »
رواه البخاري ومسلم
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« تحب قريبك كنفسك »
إنجيل متى 22 : 39
وجاء أيضًا
« احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح »
رسالة غلاطية 6 : 2
كما تؤكد التعاليم المسيحية أن المحبة الحقيقية والمساندة المتبادلة بين الناس من أهم الأسس التي تجعل المجتمع أكثر ترابطًا وقوة وتساعد الإنسان على التغلب على مشاعر العزلة والوحدة
وفي النهاية تبقى الحقيقة أن الإنسان لا يحتاج إلى عدد كبير من العلاقات بقدر ما يحتاج إلى علاقات صادقة تمنحه الشعور بالأمان والاهتمام فالوحدة ليست غياب الناس من حولنا بل غياب الفهم والمحبة والاحتواء وعندما نعيد بناء علاقاتنا على الصدق والرحمة والاهتمام الحقيقي سنكتشف أن أقصر طريق للخروج من الوحدة يبدأ بخطوة صادقة نحو الآخرين






المزيد
كرة القدم… بين الحلم والإيمان
صمت الرجل… حكمة أم لا مبالاة؟
إلتزام بالحجاب حضارة… والتعري ليس ثقافة