كتبت منال ربيعي
كانت دافني ابنة الأرض والمياه، حوريةً تجوب الغابات كنسمةٍ هاربة، لا تألف القيد ولا تصغي لنداءات العشق. كان قلبها صلداً كجذع شجرة، لا تهزه الأشواق ولا تستدرجه الكلمات المعسولة. أما أبولو، إله الشمس والنبوءات، فقد كانت روحه مضرجة بالكبرياء، يعتقد أن السهام لا تخطئه، وأن الحب قدر يطوعه كيفما شاء.
ذات يوم، رأى أبولو دافني تركض كغزال بري، تمشط الرياح شعرها المتطاير، وتضحك كأنها لا تخشى شيئًا. فوقع في أسرها، لكن هذا الأسر لم يكن من صنعه، بل من صنع سهم ذهبي أطلقه كيوبيد نكاية به. وما زاد الأمر سوءًا أن كيوبيد أطلق سهمًا آخر، لكن هذه المرة كان رمحه من الرصاص، واستقر في قلب دافني، فصارت تنفر من الحب كما ينفر النهار من الظلام.
ركض أبولو خلفها، نادها بأجمل ما في لغته من بيان، وعدها بأن يكون لها عاشقًا لا يخذلها، أن يحميها من الريح، أن ينير دربها بالشمس التي يحملها في كفه. لكن دافني كانت تهرب كأن الأرض تنشق لتبتلعها، كأن كل كلمة عشق هي قيد يكبل روحها الحرة.
وعندما اقترب منها حتى كاد يلامسها، توسلت إلى والدها، إله الأنهار، أن ينقذها، أن يجعلها تفلت من هذا المصير الذي لم تختره. في لحظة، تجمدت قدماها في التراب، امتدت أطرافها جذورًا في باطن الأرض، وراحت يداها تتحولان إلى أغصان، وشعرها يورق، وجلدها يتصلب لحاءً خشناً.
وقف أبولو مشدوهاً، يلامس الأغصان التي كانت قبل لحظات كتفين ناعمين. أدرك أنه هزم، لكن الحب الذي استولى عليه لم يمت. رفع يده فوق الأوراق الخضراء وقال بحزن: “إن لم تكوني لي روحًا، فستكونين لي شجرةً أبدية. سأحملك على رأسي إكليلًا، وستبقين خالدة في معابد الآلهة، لن يذبل الغار ما دامت الشمس تشرق.”
وهكذا، أصبحت دافني رمزًا للهروب من الحب الذي يأتي قسرًا، وأصبح الغار شجرة مقدسة، تنحني أغصانه، لكن لا أحد يستطيع اقتلاعه.






المزيد
يوم النجاح
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول