كتبت منال ربيعي
أنا شهاب منذ رحيل والديّ، لم أعرف السكون. صار قلبي رُحالة، لا يعرف مأوى، ولا يأنس بأرض. وجدتُ في الترحال راحتي، وفي التنقل دوائي. لم يعد لي وطن، فكل الأحبة راحلون، وصرتُ أؤمن أن الوطن الحقيقي يسكن بين الضلوع، ينبض كلما اشتد الشوق، ويقودني حيث لا أعلم.
كنتُ أتعلم لغات البشر بسهولة، كأنني وُلدتُ لأفهمهم. عملتُ بكل مهنة طُرحت أمامي: رافقتُ فرقة غجرية، وصرتُ عازفهم المفضل، ثم اشتغلتُ في سوق بغداد حتى غدوت صيرفي السوق، أحصي الذهب كما يُحصى المطر، وكان لي بيتٌ تطوف حوله الحسان…
لكن قلبي كان ينفر من السكون. المال قيد، والبيوت قفص. الترحال هو روحي.
ركبتُ سفينة من خليج فارس، عيناي معلّقتان بالسماء طوال الرحلة، حتى خُيّل إليّ أن وجه السماء قد تغيّر. شعرتُ بها غاضبة، متوعّدة، وهنا أدركت أن قدري قد انعطف.
هاج البحر، تحطّمت السفينة، صارعتُ الموج حتى نجوت، ووجدتُني مرميًا على شاطئ جزيرة بكر، لم أسمع بها من قبل.
جُبتُ الجزيرة، وجدت الماء والطعام، لكن لا أثر لبشر. حتى لاح لي بيتٌ أبيض، يلفّه سورٌ عالٍ، كأنه يخفي سرًّا.
طرقتُ الباب، ففتحه بوّابٌ كهل، سقط حاجباه على عينيه، وكان أخرس، لا يتكلم. أشار لي بالدخول، فتبعته.
دخلتُ قاعة يتعب النظر في وصفها، ووجدتُ داخلها كهولاً اثني عشر، يلبسون ثيابًا بيضاء، لحاهم مبلّلة بالدموع، يبكون في صمتٍ مطبق.
في قلبي، استقرَّ شيء من الخوف… لماذا يبكي هؤلاء؟
لم أجد بدًّا من البقاء، وأشار لي البواب أن أرافقه.
أخذني في جولة بالقصر. كان هناك ثلاث عشرة غرفة. دخلتُ اثنتي عشرة منها، أبوابها مشرعة، أما الثالثة عشرة، فكانت موصدة بألف قفل، لم أرَ لها ثقب مفتاح، ولا نقشًا.
أشار لي البواب ألا أقترب، وكان يرتجف وهو يشير… شعرتُ أن وراء الباب لعنة.
مكثتُ مع النساك، أصلّي، وأطوف في الحديقة، أنام تحت ظل الأشجار، وأحادث العصافير. كنت أعود للشاطئ كلما رأيتُ سفينةً تلوح، لكن لم تأخذني أيٌ منها.
بدأ الملل يقتلني ببطء.
وفي ليلة هادئة، غطّ المكان بسكونٍ مخيف، وقادني فضولي إلى ذاك الباب الموصَد.
حملتُ عتلة فولاذية، وبدأتُ أقتلع الأقفال واحدًا تلو الآخر. ومع اقتراب الصباح…
انفتح الباب.
وراءه… وجدتُ جنة فوق ربوة، نورها يخطف البصر. خفق قلبي، وغضبتُ في داخلي على أولئك النساك، أرادوا دفني حيًّا بين بكائهم، بينما خلف الباب كان الحلم.
اقترب مني طائر ضخم، التقطني بين مخالبه، وارتفع بي عاليًا في السماء، ثم أسقطني في أرضٍ تحيط بها الضباب.
مدينة لم أسمع بها من قبل، وكأنها مخفية عن أعين البشر.
نزلتُ فيها برفق، تركني الطائر ورحل.
طُفت بها، فرأيتُ حيوانات فريدة، طواويس ذهبية، طيورًا تُغنّي كأنها تعزف على أوتار القلب. رأيت غِلمانًا من نور، وحوريات يتمايلن حول امرأة… كان جمالها يُعجز الوصف.
جثوتُ أمامها، مستسلمًا.
رفعت وجهي، وقالت بهدوءٍ زلزلني:
“هل تتزوجني؟”
لم أدرك بنفسي إلا وأنا بين ذراعيها، أذوق من الحب ما لم أكن أحلم به. كانت كل ليلة عندها صلاة، وكل لحظة في حضنها ولادة. نسيتُ الترحال، الشقاء، الوحشة…
ورزقنا أطفالًا، مخلّدين، جمالهم لا يشبه الملائكة.
لكن…
كان في القصر باب.
كلما اقتربتُ منه، بكت بحرقة، وتوسّلت ألا ألمسه.
فتركتُه، احترامًا لحزنها.
وفي ليلة من ليالي الهوى، ذابت في حضني وغفَت، بينما تسلّل النوم من عيني.
قادني فضولي مجددًا إلى ذاك الباب… وفتحته.
فاندفع ظلام دامس، وطيور تصرخ، وجسدي بدأ يضمحل، وقوة خارقة حملتني، وطافت بي في السماء، ثم ألقتني أرضًا…
وحين فتحتُ عيني، كنتُ في بيت النساك.
ارتعد قلبي.
هرعتُ إلى الغرفة الثالثة عشرة، حاولت كسر الباب… فلم أستطع.
اقتربتُ من انعكاس الماء…
فرأيتُني كهلاً، حاجباي على عيني، أبكي كما كانوا يبكون.
صرخت، بكيت، ندبت حظي، لكن لا مفر.
كنتُ قد صرتُ واحدًا منهم… الناسك الجديد، سجين لعنة الباب الموصَد.
وهكذا لفظتُ آخر أنفاسي…
بفضولٍ قتلني.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق